عندما يتلاشى سحر السياسة.. كيف فقدت سلالة كينيدي عرشها؟
لأجيال، كان اسم كينيدي رمزًا في السياسة الأمريكية للشباب والجاذبية والخدمة العامة والنجاح الانتخابي.
لكن نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في نيويورك، التي حل فيها جاك شلوسبرغ، الحفيد الوحيد للرئيس الأسبق جون إف. كينيدي، في المركز الثالث بفارق كبير، أثارت التساؤل حول ما إذا كان السحر السياسي المحيط بإحدى أشهر السلالات الأمريكية قد انتهى أخيرًا.
وبحسب مجلة نيوزويك، خسر شلوسبرغ، البالغ من العمر 33 عامًا، سباق الدائرة الثانية عشرة في نيويورك أمام عضو مجلس الولاية ميكا لاشر، على الرغم من دخوله المنافسة باسم عائلة ربما يكون الأكثر شهرة في السياسة الديمقراطية.
وكثّف هذا الوافد الجديد إلى الساحة السياسية حملته على وسائل التواصل الاجتماعي، ساعيًا إلى تقديم نفسه كحلقة وصل بين الناخبين الشباب والحزب الديمقراطي الذي يكافح للتواصل عبر الإنترنت.
لكنه رغم ذلك، لم يحصل إلا على نحو 11% من الأصوات، متأخرًا بفارق كبير عن لاشر الذي حصل على 39%، وعضو مجلس الولاية أليكس بوريس الذي حصل على 35%.
انتهى السحر السياسي؟
بالنسبة لعائلة بدت في يوم من الأيام وكأنها فريدة من نوعها في تحويل الشهرة إلى أصوات، كانت هذه نتيجة لافتة.
وبدا أن شلوسبيرغ يمتلك العديد من المقومات التي جعلت من عائلة كينيدي نجوماً سياسيين. فهو نجل السفيرة الأمريكية السابقة لدى اليابان وأستراليا، كارولين كينيدي.
وقد بنى قاعدة جماهيرية واسعة على الإنترنت من خلال مزيج من التعليقات السياسية والفكاهة ومنشورات غير تقليدية على وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن ناخبي الدائرة الثانية عشرة في نيويورك اختاروا شخصية سياسية أكثر تقليدية ذات صلات وثيقة بالمؤسسة الديمقراطية في الولاية.
آلة كينيدي الانتخابية تتلاشى
تؤكد خسارة شلوسبيرغ أيضاً حقيقة أوسع نطاقاً، وهي أن الآلة السياسية لعائلة كينيدي، التي هيمنت على السياسة الديمقراطية طوال معظم النصف الثاني من القرن العشرين، تتلاشى منذ سنوات.
وكان آخر من فاز بمنصب منتخب فيدرالي من عائلة كينيدي هو النائب جو كينيدي الثالث، حفيد المدعي العام الأمريكي الأسبق روبرت كينيدي، الذي أُعيد انتخابه عام ٢٠١٨ لولاية رابعة في مجلس النواب.
لكنه بعد ذلك بعامين، مُني بهزيمة تاريخية في ماساتشوستس، حيث خسر الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ أمام إد ماركي. وكانت هذه أول خسارة انتخابية لعائلة كينيدي في ما كان يُعتبر معقلًا سياسيًا للعائلة لفترة طويلة.
وفي عام ١٩٦٠، حوّل انتخاب جون ف. كينيدي رئيسًا للولايات المتحدة عائلة كينيدي إلى سلالة سياسية وطنية مرادفة للقوة الديمقراطية. كما أصبح شقيقاه روبرت كينيدي وإدوارد "تيد" كينيدي من الشخصيات البارزة في الحزب.
وامتد النفوذ السياسي لعائلة كينيدي إلى الجيل التالي. فعلى سبيل المثال، فاز باتريك كينيدي بمقعد في مجلس النواب الأمريكي عام ١٩٩٤ وهو في السابعة والعشرين من عمره. ومثّل عضو الكونغرس، نجل تيد كينيدي، الدائرة الأولى في ولاية رود آيلاند لمدة ستة عشر عامًا.
بيد أنه مع رحيل الأعضاء الأكبر سنًا عن المناصب العامة، لم يبرز جيل أصغر سنًا للحفاظ على هيمنة العائلة على الساحة الانتخابية.
وقال أستاذ العلوم السياسية لاري ساباتو، مدير مركز السياسة بجامعة فرجينيا، وباحث مخضرم في الإرث السياسي لعائلة كينيدي، إنه يقوم بتدريس فصل دراسي عن عائلة كينيدي كل عام، وغالبًا ما يجد طلابًا "لا يعرفون الأساسيات".
وأضاف: "الأمر أشبه بدراسة أمريكا قبل الحرب الأهلية، وليس الأمر أنهم يجهلون، بل ببساطة أن هذا ليس من أولويات معظم الأمريكيين".
لم يختف
رغم ذلك، لم يختفِ اسم كينيدي من الحياة العامة. ففي السنوات الأخيرة، شغل العديد من أفراد العائلة مناصب حكومية بارزة، ولكن بالتعيين لا بالانتخاب.
فشغلت كارولين كينيدي منصب سفيرة الولايات المتحدة لدى اليابان في عهد الرئيس باراك أوباما، ثم سفيرةً لدى أستراليا في عهد الرئيس جو بايدن، في حين عاد جو كينيدي الثالث إلى العمل الحكومي عام ٢٠٢٢ كمبعوث أمريكي خاص إلى أيرلندا الشمالية للشؤون الاقتصادية.
أما أبرز أفراد عائلة كينيدي في مناصب رسمية اليوم هو وزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت ف. كينيدي الابن. بعد انسحابه من الترشح للرئاسة عام ٢٠٢٤ - حيث خاضها أولاً كديمقراطي ثم كمستقل - أيد دونالد ترامب وعُيّن في حكومة الرئيس.
ويمثل صعوده تحولاً ملحوظاً لعائلة كانت تُعتبر في السابق تجسيداً للسياسة الديمقراطية التقليدية. فبينما ساهم الرئيس السابق جون كينيدي، وروبرت كينيدي، وتيد كينيدي في رسم ملامح الحزب الديمقراطي الحديث،
بنى روبرت كينيدي الابن مكانته الوطنية من خلال انتقاد اللقاحات ومؤسسات الصحة العامة، مما أثار انتقادات ليس فقط من الديمقراطيين، بل من أفراد عائلته أيضاً.
بينما لا تزال عائلة كينيدي تتمتع بنفوذ كبير، إلا أن سلطتها تُمارس بشكل متزايد عبر التعيينات والدعوة والشهرة بدلاً من صناديق الاقتراع.
هل انتهى عهد الرومانسية؟
إذا كان هناك أي فرد من عائلة كينيدي في العصر الحديث يبدو قادراً على تحويل إرث العائلة إلى نجاح انتخابي متجدد، فهو شلوسبرغ.
لكن هزيمته تُشير إلى أن حتى أبرز وريث لاسم العائلة قد يجد صعوبة في تحويل الشهرة إلى أصوات.
ويبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كان افتتان الأمريكيين المستمر بقصة كينيدي سيُترجم مجددًا إلى نجاح انتخابي، أم أن عائلة كينيدي قد تحولت من سلالة سياسية حية إلى مجرد أثر من حقبة أمريكية ولّت.