مكتريس.. مدينة تتنفس تاريخ تونس من أعماق الحضارات

مازالت مدينة مكثر الواقعة بالشمال الغربي لتونس شاهدة على قصة ازدهار المدينة التاريخية "مكتريس".
على ربوة تعلو أكثر من 900 متر عن سطح البحر في مدينة مكثر من محافظة سليانة، تقف آثار مدينة مكتريس شاهدة على مسيرة حضارات متعاقبة منذ أكثر من ألفي عام، لتروي قصة مدينة صاغت هويتها بين النوميديين والقرطاجيين ثم الرومان والوندال فالبيزنطيين وصولا إلى الحقبة الإسلامية.
تأسست مكتريس في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد ضمن المملكة النوميدية، ثم تحولت لاحقا إلى ملاذ للناجين من الصراع الثالث بين القرطاجيين والرومان، فكانت رمزا للتلاقي بين الثقافتين النوميدية والبونية. ومع دخولها مرحلة السيطرة الرومانية، احتفظت المدينة بخصوصيتها السياسية بدستور مستوحى من قرطاج، قبل أن ترتقي في عهد الإمبراطور ماركوس أوريليوس (176 – 180 ميلادي) إلى مصاف المستعمرة الرومانية وتصبح عاصمة إدارية تشرف على 64 مدينة ضمن منطقتي باغوس ثوسكا وباغوس غنزوزي.
وفي سنة 439 خضعت مكتريس للحكم الوندالي، ثم تحولت في عهد الإمبراطور البيزنطي يوستانيانوس (533 ميلادي) إلى محور استراتيجي للمنظومة الدفاعية. استمرت الحياة فيها بعد الفتح العربي الإسلامي منتصف القرن السابع، إلى أن تراجعت مكانتها مع الغزوات الهلالية في القرن الحادي عشر.
يقول أستاذ التاريخ عبد القادر المسيليني إن مكتريس تكشف عمق الامتداد الحضاري في تونس، مشيرا إلى أن أجزاء واسعة من الموقع لم تُكتشف بعد رغم المتحف الصغير القائم اليوم، والذي يضم قطعا فسيفسائية ونقوشا باللغتين النوميدية والبونيقية إلى جانب تحف رومانية وبيزنطية ووندالية. ويضيف أن اسمها في العهد الروماني "مكتريس" يعود إلى الأصل النوميدي "مكترم"، لافتا إلى أنها دخلت تحت سيطرة روما عام 46 قبل الميلاد بعد انتصار يوليوس قيصر على الملك يوبا الأول.
يمتد الموقع الأثري على مساحة تفوق 40 هكتارا ويتوزع على أربعة أحياء. الأول يضم الساحة العمومية من القرن الثاني ميلادي وقوس النصر للإمبراطور تراجان، إلى جانب سوق وكنيسة مزودة بحوض تعميد وُضع في الفترة الوندالية، فضلا عن حمام عمومي من العهد البيزنطي.
في الحي الثاني تقع كنيسة أخرى بنيت فوق مقر جمعية شبه عسكرية من القرن الأول ميلادي، إضافة إلى مبنى دائري مخصص لجمع الضرائب العينية من القرن الرابع، وضريح روماني. أما الحي الثالث فيحتوي على كنيسة شيدت على أنقاض قاعة الحمام الروماني، ومعها معبد وساحة مبلطة تعود جذورها للفترة النوميدية.
أما الحي الرابع فيضم مدرجا صغيرا وكنيسة بنيت على أنقاض معبد ساتورن، الآلهة العظمى في إفريقيا القديمة، وفوق الفضاء البوني المقدس المعروف بالتوفات شُيّد قوس النصر "باب العين".
مكتريس ليست مجرد أطلال صامتة، بل سجل مفتوح يختزن ذاكرة تونس من ممالك الأمازيغ الأولى حتى بدايات العصر الإسلامي، حيث تتجاور الشواهد الحجرية مع النقوش والفسيفساء لتروي تاريخا متشابكا ما زال قيد الكشف.