هواجس الماضي تتجسد في مالي.. تفعيل «تحالف الدم» يربك الحسابات
هجمات منسقة استهدفت منشآت عسكرية ومواقع استراتيجية في مالي اعتبرت «الأكبر» منذ سنوات، أطلقت جرس إنذار من تصعيد خطير للعنف في البلد الأفريقي، خلال الأشهر الأخيرة.
وكانت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم القاعدة، أعلنت عبر موقعها الإلكتروني «الزلاقة»، مسؤوليتها عن الهجمات التي استهدفت مطار باماكو الدولي وأربع مدن أخرى في وسط وشمال مالي. وذكرت أن الهجمات نُفذت بالاشتراك مع جبهة تحرير أزواد، وهي جماعة انفصالية يقودها الطوارق.
ولطالما كانت كيدال بمثابة معقل للتمرد الانفصالي قبل أن تسيطر عليها القوات الحكومية المالية عام 2023، في حدث كان بمثابة «انتصار هام» للمجلس العسكري وحلفائه. ويقاتل الانفصاليون في أزواد منذ سنوات من أجل إنشاء دولة مستقلة في شمال مالي.
فماذا تعني تلك الهجمات؟
قال أندرو ليبوفيتش، الباحث في معهد كلينغندايل والمتخصص في شؤون مالي، في تصريحات لصحيفة «واشنطن بوست»، إن «الهجمات المنسقة والواسعة النطاق في أنحاء البلاد، إلى جانب مستوى ظهورها وقدرة المهاجمين على التحرك بحرية، أمر غير مسبوق. من الصعب تصور أن الأمور ستبقى كما كانت بعد هذا».
ومنذ عام 2021، يحكم مالي مجلس عسكري، لكنه يواجه منذ سنوات تمردًا تقوده جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي تُعد الأكثر تسليحًا في غرب أفريقيا، وأسهمت في تحويل المنطقة إلى بؤرة عالمية للإرهاب.
من جانبه، قال واسيم نصر، المتخصص في شؤون الساحل وباحث بارز في مركز سوفان، إن الأسلحة المستخدمة في الهجمات بما فيها: بنادق كلاشنيكوف وقاذفات RPG-7، إضافة إلى بعض الطائرات المسيّرة، تكشف تنامي قدرات الجماعات الإرهابية.

وأوضح نصر أن ما يجري يؤكد مجددًا محدودية فعالية «المرتزقة الروس» كشركاء في مكافحة الإرهاب، سواء تحت اسم مجموعة فاغنر سابقًا أو «فيلق أفريقيا» حاليًا، مشيرًا إلى أن هجمات السبت تعكس هذا الإخفاق بوضوح.
وأضاف أنه حتى عصر السبت، كانت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتحالف تحرير أزواد، وهو تحالف يغلب عليه الطوارق ويسعى لإقامة دولة في شمال مالي، يستخدمان قذائف الهاون والرشاشات لمهاجمة المعسكر الأممي السابق الذي تتمركز فيه قوات «فيلق أفريقيا» حاليًا.
ويرى نصر أن «القتال في كيدال وغاو يضع موضع التنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه قبل عام بين التحالف وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، والذي يتضمن تنسيقًا وتقاسمًا للموارد، رغم علاقات تتراوح بين التحالف والصراع بين الطرفين.
وقال مسؤول في باماكو، طلب عدم الكشف عن هويته، إن أصوات إطلاق النار والانفجارات بدأت نحو الخامسة صباحًا واستمرت حتى الحادية عشرة ظهرًا، مشيرًا إلى أن شائعات عن هجوم بهذا الحجم كانت تتداول منذ سنوات، لكن حجم العملية الكامل لا يزال غير واضح.
«تحالف الدم»
في السياق نفسه، قال أولف لايسينغ، رئيس برنامج الساحل في مؤسسة كونراد أديناور في مالي، لـ«بي بي سي»، إن الحادث يبدو أنه «أكبر هجوم إرهابي منسق على مالي منذ سنوات».
وأوضح ليسينغ، أنه «من المثير للقلق بشكل خاص أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين كانت على ما يبدو تنسق هجمات اليوم مع الطوارق. لقد تحالف الإرهابيون ومتمردو الطوارق في عام 2012 عندما اجتاحوا شمال مالي، مما أدى إلى اندلاع الأزمة الأمنية في المنطقة».
وتابع: «لقد تعرضنا بالفعل لهجوم على عاصمة النيجر، مطار نيامي، في بداية شهر فبراير. والآن نهاجم عاصمة أخرى، باماكو. لذا فإن الإرهابيين يزدادون جرأة».

وقالت مراسلة سكاي نيوز في أفريقيا، يسرى الباقر، إن الهجمات مثيرة للقلق ولكنها ليست مفاجئة، حيث عززت الجماعات الإرهابية والانفصالية شراكتها في السنوات الأخيرة.
وأضافت: «يكمن القلق الآن في ما يعنيه هذا بالنسبة للمدن الأخرى في المنطقة، وماذا يعني بالنسبة لعاصمة بوركينا فاسو وعاصمة النيجر؟»
احتواء الإرهاب
بحسب «واشنطن بوست»، فإن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كثفت تبادل المعلومات الاستخباراتية مع حكومة مالي في محاولة لاحتواء تمدد الجماعات الإرهابية، إلا أن هذه الجماعات واصلت تعزيز قوتها، بما في ذلك فرض حصار على الوقود شلّ العاصمة العام الماضي.
وفي بيان صدر السبت، أصدرت السفارة الأمريكية في باماكو تحذيرًا أمنيًا دعت فيه المواطنين الأمريكيين إلى البقاء في أماكنهم وتجنب السفر إلى كاتي وباماكو. كما أدانت وزارة الخارجية الأمريكية، عبر شؤون أفريقيا، الهجمات وأعلنت وقوفها إلى جانب الشعب والحكومة في مالي.
وأكدت الوزارة في منشور على منصة «إكس»، أن «الولايات المتحدة تظل ملتزمة بدعم الجهود الرامية إلى تعزيز السلام والاستقرار والأمن في مالي والمنطقة».
تفاصيل الهجمات
وكان متحدث باسم الجيش المالي قال إن «مجموعات مسلحة إرهابية مجهولة استهدفت مواقع وثكنات عسكرية في باماكو»، مضيفًا لاحقًا أن الوضع «تحت السيطرة».
لكن مقاطع الفيديو الواردة من مناطق مختلفة أظهرت حجم الهجمات، بما في ذلك اقتحام مسلحين لمكتب حاكم كيدال، وتدمير منزل وزير الدفاع ساديو كامارا في كاتي، إضافة إلى مشاهد لسكان باماكو وهم يراقبون دخول مسلحين في شاحنات إلى المدينة دون أي مقاومة تُذكر.
وفي باماكو، أُقيمت نقاط تفتيش على الطرق المؤدية إلى المطار، ويجري تفتيش المركبات، وفقًا للتقارير. كما فُرض حظر تجول من الساعة التاسعة مساءً حتى السادسة صباحًا بالتوقيت المحلي لثلاث ليالٍ قادمة.