غينيا بعد «الرئاسيات».. استقرار مؤقت أم أزمة سياسية مؤجلة؟
بين غطاء الشرعية الدستورية ومخاوف إعادة إنتاج الحكم العسكري، تقف غينيا عند مفترق سياسي عقب انتخاب الجنرال مامادي دوومبويا رئيسًا للبلاد.
فنتائج الانتخابات، التي منحت قائد الانقلاب السابق فوزًا كاسحًا، لا تعكس بالضرورة نهاية مرحلة الاضطراب، بقدر ما تفتح نقاشًا أعمق حول طبيعة الانتقال السياسي وحدوده، في بلد لم يتعافَ بعد من إرث الانقلابات وضعف المؤسسات.
ويرى مراقبون أن تحويل السلطة من مجلس عسكري إلى رئاسة منتخبة قد يوفر استقرارًا قصير الأمد، لكنه يترك جذور الأزمة دون معالجة، في ظل هيمنة الجيش على المجال السياسي وتراجع التعددية.
وبينما تراهن السلطة على الدستور الجديد والتنمية الاقتصادية لاحتواء الاحتقان، يبقى السؤال الأوسع:
هل تمثل هذه الانتخابات بداية بناء دولة مدنية مستقرة، أم مجرد إعادة صياغة دستورية لحكم العسكر؟
يقول خبراء سياسيون استطلعت «العين الإخبارية» آراءهم، إن انتخاب الجنرال مامادي دوومبويا رئيسًا لغينيا قد يمنح البلاد غطاءً دستوريًا جديدًا بعد سنوات من الحكم العسكري، لكنه لا يزيل التحديات السياسية والأمنية المتراكمة التي تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا.
ودوومبويا، الذي تولى السلطة بعد انقلاب عسكري في 2021، تحول رسميًا إلى رئيس منتخب بعد فوزه في انتخابات ديسمبر/كانون الأول الماضي، بنسبة 86.72% من الأصوات في جولة واحدة، وفق النتائج الرسمية.
ويرى بعض المراقبين أن هذا الفوز يمثل خطوة نحو إضفاء الشرعية على حكمه، لكنه يثير تساؤلات جدية حول ديمومة السلام والاستقرار في غينيا، خصوصًا في ظل هيمنة الجيش على المشهد السياسي وتقييد المعارضة.
الضبابية الديمقراطية
بدوره، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاب تاون، كارلوس لوبس، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن عودة السلطة الدستورية لا تضمن تلقائيًا الديمقراطية الحقيقية، خاصة عندما يكون الفضاء السياسي قد تم تفريغه من المنافسة الحقيقية.
وقبل الانتخابات، تم حظر الاحتجاجات، وأغلقت وسائل إعلام، وتم اعتقال أو نفي نواب وقيادات معارضة، ما يعزز مخاوف من تراجع الحريات السياسية داخل البلاد.
وأوضح لوبس، أنه رغم أن انتخاب دوومبويا يبدو كخطوة نحو استقرار سياسي ظاهر، فإن «المشهد الحقيقي يعكس استمرار تأثير المؤسسة العسكرية على الحكم، بغض النظر عن النتائج الرسمية».
ورأى أستاذ العلوم السياسية الغيني، أن إزالة القيود الدستورية التي كانت تمنع العسكريين من الترشح، وتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية يضعف تداول السلطة، ويحد من فرص المعارضة في المنافسة الحقيقية.
ولفت لوبس إلى أنه لا تزال الأحزاب الرئيسية خارج العملية السياسية في غينيا، كما أن ما تحقق ليس انتقالًا ديمقراطيًا حقيقيًا بل تحول شكلا من أشكال الحكم العسكري إلى إداري/انتخابي.
وتابع: «إذا لم تعاد بناء مؤسسات قوية وتُضمن حرية التعبير وحرية التنظيم السياسي، فهناك خطر أن تتحول البلاد نحو احتكار السلطة بديمومة العسكر».
من جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية الدكتور جون فرنسوا بايار، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن «النتائج الرسمية تظهر فوزًا ساحقًا لدوومبويا، لكن الظروف السياسية التي أحاطت بهذا الفوز تثير تساؤلات حول نزاهة العملية، ومدى تمثيلها للإرادة الشعبية الحقيقية».
وأوضح، أن تحويل الحكم العسكري إلى رئاسة منتخبة عبر دستور صُمم ليخدم مصالح رئيس المجلس العسكري السابق قد يحقق استقرارًا مؤقتًا، لكن الاستقرار الحقيقي يتطلب إشراك المعارضة وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع المدني.
وأشار بايار إلى أن «الوضع الراهن قد يبقي البلاد في دائرة هشة من الشرعية الشكلية مقابل تقويض الديمقراطية، مما يستدعي اهتمامًا دوليًا أكبر لضمان دعم التحول الديمقراطي الحقيقي».
ما بعد الانتخابات والتحديات المقبلة
واعتبر بايار أنه، رغم أن الانتخابات قد منحت دوومبويا لقب الرئيس المنتخب رسميًا، فإن العديد من علامات الاستفهام لا تزال تحيط بمستقبل غينيا السياسي.
وأشار الباحث الفرنسي إلى أن «الأداة الدستورية الجديدة التي مكنته من الترشح وتوسيع صلاحياته قد عززت هيمنته على الدولة، لكن الخبراء يشددون على أن الشرعية المستدامة لا تُبنى فقط على النسب الانتخابية، بل على حرية المنافسة السياسية والفعالية الاقتصادية وحرية التعبير».
المشهد الانتخابي وترسيخ الحكم العسكري
وجرت انتخابات في 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي، في غينيا بعد اعتماد دستور جديد يسمح للجنرالات بترشيح أنفسهم ويطيل فترة الرئاسة من خمس إلى سبع سنوات، كما ألغى قيودًا كانت تمنع أعضاء المجلس العسكري من الترشح.
ورغم مشاركة عدد من المرشحين، فإن القوى السياسية الرئيسية كانت مستبعدة أو في المنفى، في حين دعت المعارضة لحملة مقاطعة واسعة معتبرة الانتخابات «استعراضًا انتخابيًا».
وبينما يشيد أنصاره بتقدم البنية التحتية، والحصول على الإيرادات من مشروع سيماندو الضخم للحديد، فإن العديد من السكان يشكون من استمرار مشكلات الفقر ونقص الخدمات الأساسية.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNTYg جزيرة ام اند امز