مقاتلون أجانب وقنابل بشرية غيّروا مسار الحرب في أوكرانيا
عندما بدأت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا في 2022، بدا المشهد في ظاهره صراعًا تقليديًا بين دولتين جارتين على الأرض والنفوذ.
غير أن تطورات السنوات اللاحقة سرعان ما كشفت عن تحوّل أعمق، إذ اتخذت الحرب طابعًا دوليًا متسعًا، مع انخراط آلاف المقاتلين الأجانب من مختلف القارات، ليغدو النزاع واحدًا من أكثر الحروب تعقيدًا وتشابكًا في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ومع تصاعد الخسائر البشرية واستنزاف القدرات القتالية للطرفين، اتجهت كل من موسكو وكييف إلى استقطاب مقاتلين أجانب لتعويض النقص في القوى العاملة، بحسب صحيفة التايمز.
وجاء هؤلاء من خلفيات متنوعة، بعضهم مدفوع باعتبارات أيديولوجية أو سياسية، فيما جذبت آخرين الإغراءات المالية أو وعود العمل، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة في بلدانهم الأصلية. وبين هذه الدوافع، وجد كثيرون أنفسهم في خطوط مواجهة لم يكونوا يتوقعونها.
وساهمت مشاهد مصوّرة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي في تسليط الضوء على المخاطر التي يواجهها المقاتلون الأجانب، ولا سيما أولئك الذين يُكلفون بمهام عالية الخطورة في الخطوط الأمامية. وأبرزت هذه المقاطع كيف يمكن أن يتحول بعضهم إلى قنابل بشرية تُستخدم في عمليات اقتحام مباشرة، في بيئة قتال تتسم بكثافة النيران وتغير موازين القوة بسرعة.

ووفق تقديرات مسؤولين أوكرانيين، استقطبت روسيا أكثر من 18 ألف مقاتل أجنبي من عشرات الدول، بدوافع تراوحت بين المكاسب المادية والرغبة في الحصول على إقامة أو جنسية، إضافة إلى حالات وُصفت بأنها نتجت عن تضليل أو سوء تقدير لطبيعة المهام العسكرية.
وفي المقابل، تشير تقديرات غير رسمية إلى أن أوكرانيا بدورها استعانت بأكثر من 15 ألف مقاتل أجنبي من أكثر من 70 دولة، رغم غياب أرقام رسمية دقيقة.
أمريكا الجنوبية: خبرة عسكرية حاضرة بقوة
تشير تقديرات ميدانية إلى أن نسبة كبيرة من المقاتلين الأجانب في صفوف أوكرانيا قدموا من أمريكا الجنوبية، خصوصًا من كولومبيا. فقد أسهمت عقود من النزاعات الداخلية هناك في تكوين كوادر تمتلك خبرة قتالية، انتقل بعض أفرادها إلى أوكرانيا.
وشارك مقاتلون كولومبيون في وحدات أوكرانية نظامية، وخاضوا مواجهات عنيفة في مناطق مختلفة، بما في ذلك عمليات عسكرية قرب الحدود الروسية.
ورغم حضور الخطاب الأيديولوجي لدى بعضهم، يبقى العامل الاقتصادي عنصرًا أساسيًا، إذ تفوق الرواتب المعروضة في أوكرانيا بكثير ما يمكن تحقيقه في بلدانهم الأصلية.
في الوقت نفسه، أبدت أجهزة أمنية إقليمية مخاوف من استغلال بعض الجماعات الإجرامية هذا المسار لاكتساب خبرات عسكرية متقدمة، خاصة في مجالات حديثة مثل تشغيل الطائرات المسيّرة.
أمريكا الشمالية: بين القناعة السياسية والواقع العسكري
منذ الأيام الأولى للحرب، شكّل «الفيلق الدولي» الأوكراني نقطة جذب لمتطوعين من الولايات المتحدة وكندا. وقد انضم آلاف الأمريكيين بدوافع متباينة، رأى بعضهم في الصراع مواجهة فاصلة مع أنماط حكم يعتبرونها تهديدًا للنظام الدولي.
غير أن التجربة الميدانية كشفت عن فجوة بين التوقعات والواقع، مع تصاعد الانتقادات لطبيعة المهام والخسائر.

وفي أواخر عام 2024، تم حل الفيلق الدولي وإعادة توزيع عناصره ضمن وحدات الجيش الأوكراني، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها تعكس تحولًا في الأولويات العسكرية.
وفي الوقت ذاته، ظهر أمريكيون آخرون في صفوف القوات الروسية، ما يعكس تعقيد المشهد وتعدد دوافع الأفراد بعيدًا عن الانتماءات الوطنية التقليدية.
أوروبا: حضور واسع وتباين في الخيارات
شهدت دول أوروبية عدة مشاركة مواطنين لها في القتال، سواء إلى جانب أوكرانيا أو روسيا. وسُجلت خسائر بشرية بين متطوعين من بريطانيا ودول أخرى، في حين اختار بعض الأوروبيين، خصوصًا من دول ذات روابط تاريخية أو ثقافية مع روسيا، الانضمام إلى صفوفها.
وتكشف هذه الظاهرة عن انقسام في الولاءات، يتجاوز الحسابات الجغرافية إلى اعتبارات أيديولوجية وشخصية.
أفريقيا وآسيا: التجنيد في ظل الهشاشة الاقتصادية

برزت أفريقيا كأحد أبرز مصادر المقاتلين الأجانب، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة وسهولة استدراج الشباب عبر عقود عمل أو وعود تدريب.
وتشير تقديرات إلى انخراط أكثر من ألف مقاتل أفريقي في القتال، معظمهم في صفوف روسيا. وقد دفعت قضايا التجنيد هذه بعض الحكومات إلى اتخاذ إجراءات للحد من سفر مواطنيها.
وفي آسيا، أعلنت كوريا الشمالية رسميًا إرسال قوات لدعم روسيا داخل أراضيها، فيما انخرط مقاتلون من آسيا الوسطى وجنوب آسيا عبر مسارات مختلفة، شاب بعضها وعود غير دقيقة بطبيعة العمل.
نزاع متعدد الجنسيات
تعكس ظاهرة المقاتلين الأجانب في أوكرانيا تحوّل الحرب إلى نزاع متعدد الجنسيات، تتداخل فيه المصالح السياسية مع العوامل الاقتصادية والإنسانية. ومع استمرار القتال، يبدو أن هذا البعد العالمي سيظل أحد أبرز سمات الحرب، في صراع لم يعد محصورًا في جغرافيا محددة، بل بات يعكس تحولات أوسع في النظام الدولي وتوازناته.