صاحبة الساق الخشبية.. قصة أخطر جاسوسة في الحرب العالمية الثانية
فرجينيا هال، أشهر جواسيس الحرب العالمية الثانية، كانت تعرف بـ«السيدة العرجاء» بسبب بتر نصف ساقها على خلفية حادثة تعرضت لها.
هال كان عليها تحمل الآلام التي تزداد مع كل خطوة تخطوها، فالساق الاصطناعية التي كانت تضعها كانت تزن نحو ثلاثة كيلوغرامات، ما يعني أنها وحدها كانت تشكل عبئا إضافيا عليها وعلى حركتها.
لكنها، ورغم الآلاف، حسمت أمرها، وحملت حقيبة ظهرها ومضت في رحلة مجهولة لا يرافقها فيها أحد سوى ساقها الخشبية، إبان الحرب العالمية الثانية.
ولدت فرجينيا هال في بالتيمور بالولايات المتحدة، العام 1906، وكانت فتاة طموحة وتحلم بالعمل في السلك الدبلوماسي الأمريكي.
لكن حياتها تغيرت بشكل كبير بعد حادث مأساوي تعرضت له حين كانت في العشرينيات من عمرها، فخلال رحلة صيد في تركيا، أطلقت النار بطريق الخطأ على ساقها، مما أدى إلى بتر ساقها اليسرى من أسفل الركبة.
دخول عالم الجاسوسية
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، سافرت فرجينيا إلى فرنسا، وعندما احتلت القوات الألمانية البلاد، قررت الانضمام إلى «المقاومة الفرنسية».
حاولت في البداية الانضمام إلى الجيش الأمريكي، لكنهم رفضوها بسبب ساقها الاصطناعية، ومع ذلك لم تستسلم، فتواصلت مع «المكتب البريطاني للخدمات الخاصة»، وهو جهاز المخابرات السرية الذي كان يدير عمليات ضد الاحتلال النازي في أوروبا.
في فرنسا، عملت فرجينيا كعميلة سرية تحت أسماء مستعارة مختلفة، وأصبحت أول امرأة تُرسل إلى فرنسا من قبل المخابرات البريطانية.
هال تمتعت بمهارات عالية في التنظيم والاتصال، وأثبتت نفسها كعميلة بارعة في جمع المعلومات الاستخباراتية وتنسيق عمليات «المقاومة الفرنسية»، واستخدمت شبكة معقدة من العلاقات والخدمات اللوجستية لتزويد قوات الحلفاء بمعلومات حيوية عن تحركات القوات الألمانية.
«جزار ليون»
ورغم أن المخابرات الألمانية كانت تعلم بوجود "الجاسوسة ذات الساق الخشبية"، إلا أنها لم تتمكن من القبض عليها لفترة طويلة.
لكن الضابط النازي كلاوس باربي، والذي كان يعمل في صفوف قوات «الغستابو» (الشرطة النازية السرية)، كان مصمما على القبض عليها، واعتبرها أخطر جاسوسة تعمل ضد ألمانيا.
وضعها الضابط الملقب بـ«جزار ليون» ضمن أهدافه الرئيسية، وبذل جهودا كبيرة للقبض عليها، لكن فرجينيا تمكنت من الإفلات من كمائنه.
وفي عام 1942، وبعد أن علمت أن «الغستابو» على وشك الإمساك بها، اضطرت للفرار من فرنسا عبر جبال البرانس في رحلة محفوفة بالمخاطر إلى إسبانيا، وذلك بالرغم من إعاقتها.
وكانت الرحلة شاقة للغاية، لكنها نجحت في النجاة والوصول إلى بر الأمان.
لم تكن فرجينيا هال مستعدة للتخلي عن مهمتها، ففي عام 1944، عادت إلى فرنسا، لكن هذه المرة كعميلة للمخابرات الأمريكية، سلف وكالة المخابرات المركزية «سي آي آي».
واستأنفت عملها في تنظيم ما كان يعرف بـ«شبكات المقاومة»، وتجنيد أعضاء جدد، وتنسيق هجمات تخريبية ضد القوات الألمانية، بما في ذلك عمليات تدمير خطوط السكك الحديدية التي كانت حاسمة في تعطيل التحركات العسكرية للنازيين.
وبعد انتهاء الحرب، جرى تكريم فرجينيا هال بالعديد من الجوائز من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، بما في ذلك «وسام جوقة الشرف» من فرنسا و«صليب الخدمة المتميزة» من الولايات المتحدة، وهي أعلى أوسمة تمنح للمدنيين، وكانت هال أول امرأة تحصل عليها.