«خارج الخدمة».. كيف أربك «جيل زد» حسابات التجنيد في ألمانيا؟
في تحول عن «سلمية» القرن الماضي، تواجه ألمانيا، التي تقف في الخطوط الأمامية لجهود إعادة التسلح الأوروبية، صعوبات بالغة في تحقيق أهدافها المتعلقة بالتجنيد العسكري.
فالمشكلة لا تكمن في «النزعة السلمية» المعتادة، بل في جيل شاب يطرح نسخة جديدة من التساؤل الأزلي: «ما الفائدة التي ستعود علي؟»
وفي ظل مساعي الدول الأوروبية لزيادة الإنفاق العسكري والاستعداد لصراع محتمل مع روسيا، حاولت دول مثل ألمانيا وفرنسا دفع الشباب للتفكير مجدداً في الخدمة العسكرية.
وقد استحدثت ألمانيا خدمة عسكرية جديدة، بدأت بأساس تطوعي؛ حيث بدأ نحو 700 ألف شاب وشابة من مواليد عام 2008 في تلقي استبيانات هذا الشهر حول لياقتهم واستعدادهم للخدمة. وبينما يُلزم الرجال فقط بالرد والحضور للتقييم الطبي، يظل خيار الخدمة الفعلي طوعياً.
احتجاجات اقتصادية لا سياسية
وأثارت أخبار الخدمة العسكرية الجديدة موجات من الاحتجاجات الطلابية في الشوارع، وكان التساؤل الأكثر ترداداً: لماذا يتعين عليهم التضحية من أجل دولة توجه ربع ميزانيتها الفيدرالية لمدفوعات معاشات التقاعد لكبار السن؟
تتركز اعتراضات هذا الجيل على الجوانب الاقتصادية أكثر من السياسية، وهو ما يمثل فارقاً جوهرياً عن "الحركة السلمية" الألمانية في السبعينيات والثمانينيات، التي شكلتها حرب فيتنام والحرب الباردة والرعب من صراع نووي. ففي مواجهة آفاق وظيفية باهتة وارتفاع تكاليف المعيشة، يعبر الكثير من الشباب عن استيائهم من مطالبتهم بالتضحية من أجل "كبار السن" مجدداً، خاصة بعد تجربة الإغلاقات إبان الجائحة.
يقول بينيديكت زاخر (25 عاماً)، وهو طالب ومعلم رياضيات: «في الديمقراطية، أنت تقدم شيئاً للدولة وتنتظر مقابلاً. طلابي يشعرون أنهم لا يحصلون على شيء من الدولة، ونتيجة لذلك، تزداد نزعتهم الفردية، وهذا حقهم».
أرقام دون الطموح
ورغم حملة العلاقات العامة المكثفة التي شملت وسائل التواصل الاجتماعي لإظهار إثارة القتال عالي التقنية، إلا أن النتائج لا تزال متواضعة.
فبينما وصل عدد الجنود في الخدمة الفعلية إلى أعلى مستوياته منذ 2021، إلا أن القادمين الجدد بالكاد يعوضون حالات التقاعد والمغادرة، مما يؤدي إلى «شيخوخة» القوات المسلحة (البوندسفير).
ووفقاً لرسالة من وزير الدفاع بوريس بيستوريوس اطلعت عليها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تهدف ألمانيا إلى تسجيل 20 ألف متطوع في الخدمة الجديدة هذا العام، و13,500 جندي آخرين خارج إطار هذه الخدمة.
ومع ذلك، يرى المحللون أن هذا الرقم يقل كثيراً عن الحاجة الفعلية (60 إلى 70 ألف مجند سنوياً) للوصول إلى هدف زيادة القوات من 184 ألفاً إلى 260 ألف جندي، ومضاعفة قوات الاحتياط ثلاث مرات لتصل إلى 200 ألف بحلول عام 2035.
صراع «العقلية» والقانون
وتهدف الاستبيانات الجديدة جزئياً إلى إحداث تحول في عقلية الشباب؛ حيث لم يكن الكثير منهم ينظر إلى الجيش كجهة توظيف محتملة.
كما تسعى الحكومة لبناء قاعدة بيانات للمجندين المحتملين، وسط تلميحات بإمكانية إعادة «التجنيد الإلزامي» (الذي عُلّق في 2011 ولم يُلغَ) إذا لم يرتفع معدل الإقبال بشكل ملحوظ.
ولم تخلُ هذه الجهود من احتكاكات ميدانية؛ فقد تعرضت مراكز التوظيف لهجمات بقنابل الطلاء ومحاولات غلق الأبواب من قبل محتجين. وقال أحد الطلاب (16 عاماً) إنه يفضل العيش تحت الاحتلال الروسي على المخاطرة بالموت في القتال، بينما أبدت صديقته (17 عاماً) رغبتها في مغادرة البلاد تماماً في حال نشوب حرب.
إغراءات مالية ومخاوف وجودية
لا تغفل الحكومة الحجج الاقتصادية للشباب؛ فبموجب الخدمة الجديدة، سيتقاضى المتطوعون ما يصل إلى 3,144 دولاراً شهرياً، وستتحمل الدولة تكاليف رخصة القيادة (التي قد تتجاوز 4,500 دولار في ألمانيا). هذا الراتب المرتفع تسبب في حالة من التذمر بين الرتب الأعلى، حيث قد يتقاضى المجند الناشئ راتباً يفوق مدربه.
بينما يرى البعض أن التهديد الروسي المتزايد سيجبر الشباب في النهاية على إعادة التفكير في قيمة العيش في «حرية وديمقراطية»، يظل خبراء مثل زونكه نيتزل، أستاذ التاريخ العسكري، متشككين؛ مؤكدين أن النظام التطوعي لن يحل أزمة القدرات القتالية الفعلية للكتائب والوحدات العسكرية، وأن التجنيد الإلزامي قد يكون الحل الوحيد المتبقي.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNTYg جزيرة ام اند امز