روته أمام «الاختبار الأصعب».. غضب ترامب من أوروبا يربك «الناتو»
ما بدا في عطلة نهاية الأسبوع الماضية وكأنه جولة معتادة من انتقادات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للزعماء الأوروبيين، قد يتحول إلى إعادة ترتيب شاملة للعلاقة عبر الأطلسي بين الولايات المتحدة وأوروبا.
ويشير مسؤولون في الإدارة الأمريكية إلى إحجام أوروبا عن الانخراط في الملف الإيراني للتشكيك في سبب استمرار الولايات المتحدة في تحمل أعباء الدفاع عن القارة الأوروبية، بحسب موقع «أكسيوس» الأمريكي.
وفي هذا السياق، من المقرر أن يتوجه الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته إلى واشنطن غداً، في زيارة قد تشهد أهم لقاء للحلف مع ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض.
وعلى مدار أيام قليلة في أواخر الأسبوع الماضي، أثار ترامب وكبار مسؤوليه قلق عدد من أقرب حلفاء الولايات المتحدة.
فقد قال ترامب إن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «توسلت» إليه لالتقاط صورة معها خلال قمة مجموعة السبع. وردّت ميلوني، التي كانت تُعد من أقرب حلفاء ترامب، بأن هذا الادعاء «مختلق بالكامل»، ما أشعل سجالاً حاداً بين الطرفين على وسائل التواصل الاجتماعي.
كما أعلن ترامب نبأ استقالة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قبل أن يتمكن الأخير من الإعلان عنها بنفسه، وهي خطوة وصفها الصحفي البريطاني روبرت بيستون بأنها «متطرفة، حتى بمقاييسه الخاصة».
من جانبه، تعهد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، خلال خطاب أمام وزراء دفاع دول الناتو، بإجراء مراجعة تمتد ستة أشهر لتحديد الدول الأوروبية التي لا تسهم بما يكفي في تكاليف الدفاع الجماعي، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستخفض وجودها العسكري في تلك الدول.
وفي الوقت نفسه، أغدق ترامب المديح على عدد من الزعماء بينهم الرئيس الصيني شي جين بينغ الذي وصفه بأنه «رجل ذكي للغاية»، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الذي نعته بـ«القائد العظيم»، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي قال إنه لم يكن ينبغي استبعاده من مجموعة الثماني، خلال مقابلة مع الصحفي مارك كابوتو في برنامج «ذا أكسيوس شو».
وكان التباين لافتاً؛ فبينما سخر ترامب من قادة الدول الحليفة، امتدح نظراءهم لما يتمتعون به، بحسب وصفه، من ذكاء وقدرات قيادية.
وبحسب موقع «أكسيوس»، فإن هذا النوع من الخطاب ليس جديداً على ترامب أو أعضاء حكومته؛ إذ دأبوا على إطلاق تصريحات مماثلة منذ ولايته الأولى.
أما الجديد، فهو استياؤهم من رفض عدد من الدول الأوروبية الرئيسية دعم الحرب على إيران، وفي بعض الحالات عدم السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية، يضيف الموقع الأمريكي.
وكتب ترامب على منصة «تروث سوشيال»، قائلا: «لقد رفضت حتى السماح لنا باستخدام مدارج الهبوط والمطارات الإيطالية، وهو ما تسبب في إرباك لوجستي كبير، وذلك رغم أن الولايات المتحدة تنفق مئات المليارات من الدولارات سنوياً لحماية إيطاليا وغيرها من حلفاء الناتو المزعومين».
كما كرر كل من هيغسيث ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الانتقاد نفسه بحق عدد من الدول الأوروبية، من بينها إسبانيا وفرنسا وبريطانيا، التي خففت موقفها جزئياً لاحقاً.
وقال هيغسيث: «يجب أن تكون العلاقة داخل الناتو طريقاً ذا اتجاهين». أما روبيو فتساءل في مايو/أيار الماضي: «عندما تكون هناك دول مثل إسبانيا تمنعنا من استخدام هذه القواعد، فلماذا هي عضو في الناتو أساساً؟»
وكان ترامب قد صرح لصحيفة «التليغراف» في أبريل/نيسان، قائلا إنه يدرس الانسحاب من حلف الناتو بعد فشله، على حد قوله، في مساعدة الولايات المتحدة بشأن إيران، مضيفاً: «كنت أعلم دائماً أن الناتو نمر من ورق، وبوتين يعلم ذلك أيضاً».
ماذا بعد؟
من المقرر أن يلتقي مارك روته بالرئيس ترامب في البيت الأبيض يوم الأربعاء.
ورغم أن الأمين العام للناتو أتقن على مدى السنوات الماضية فن مجاملة الرئيس الأمريكي وكسب وده، فإن المهمة التي تنتظره هذه المرة تبدو شديدة الصعوبة.
وتقول صحيفة «بوليتيكو»، إنه يتعين على الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته طمأنة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الحلف سيبذل مزيداً من الجهود لتلبية مطالبه، من دون أن يقطع وعوداً تفوق ما يستطيع الحلفاء الوفاء به.
ويُفترض أن يمهد اللقاء المرتقب بين الرجلين في البيت الأبيض الطريق أمام قمة مهمة للناتو ستُعقد في تركيا بعد أسبوعين، وأن يساهم في تجنب أي مواجهات كبيرة قبل اجتماع قادة الدول الـ32 الأعضاء في الحلف لتحديد أهداف العام المقبل.
ويؤكد مسؤولون أمريكيون وأوروبيون أن الروابط التي تجمع واشنطن بالحلف لا تزال قوية. لكن روته سيكون مضطراً للسير على حبل مشدود بين تقديم تعهدات ترضي ترامب وتهديداته، وبين واقع أن بعض أعضاء الناتو يواجهون صعوبات في زيادة الإنفاق الدفاعي بسبب أوضاعهم السياسية والمالية الداخلية. وبصورة واقعية، قد لا تتمكن دول مثل بريطانيا وإسبانيا والتشيك من تقديم المزيد استجابة لمطالب ترامب.
وقد ترك ذلك بعض الدول الحليفة في حالة من القلق، سواء بشأن الاجتماع في واشنطن أو القمة المرتقبة بعد أسبوعين.
وقال مسؤول من إحدى دول الناتو، طلب عدم الكشف عن هويته كي يتمكن من التحدث بصراحة: «قد يكون هذا اجتماعاً صعباً يسبق اجتماعات ربما تكون أكثر صعوبة في أنقرة. ترامب غير راضٍ، وقد لا يكون هناك الكثير مما يستطيع الحلف فعله على المدى القصير. لقد وافق الحلف بالفعل على هدف إنفاق دفاعي يبلغ 5% من الناتج المحلي الإجمالي، ولا توجد الكثير من الأوراق الجديدة للمناورة»، باستثناء الإشارة إلى الجهود المبذولة لزيادة الإنفاق الدفاعي وشراء المزيد من الأسلحة الأمريكية.
ومنذ تولي روته منصبه على رأس الحلف في أواخر عام 2024، نجح في بناء علاقة عمل جيدة مع ترامب، ويسعى هو وفريقه للحفاظ على هذه الديناميكية.
عقبات محتملة
وقال جويل لينّاينماكي، الباحث في المعهد الفنلندي للشؤون الدولية: «من الواضح أن روته يحاول جس نبض الموقف. إنه يسعى للتأكد من عدم وجود مفاجآت من جانب ترامب» خلال قمة أنقرة، وكذلك «استشراف العقبات المحتملة» التي قد تواجه القمة.
من جانبها، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض أوليفيا ويلز إن ترامب يتمتع «بعلاقة قوية» مع روته. وأضافت: «مع ذلك، يظل الرئيس ثابتاً في موقفه بأن على دول الناتو أن تتحمل مسؤولية أكبر عن دفاعها، وكان ينبغي لها أن تقف إلى جانب الولايات المتحدة عندما كنا ننفذ عملية (إيبيك فيوري) الناجحة».
ويستند الانسجام بين الرجلين إلى أسلوب من المجاملة السياسية؛ إذ سبق لروته أن أثار جدلاً واسعاً عندما وصف ترامب بأنه «أب أوروبا»، وهو تصريح أثار استياء كثيرين داخل الحلف.
وكانت الذروة في فترة روته، التي تمتد الآن إلى نحو 20 شهراً، خلال قمة لاهاي العام الماضي، حين نجح في تحقيق توافق بين الحلفاء حول هدف رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب نيله إشادة ترامب. وغادر معظم المشاركين القمة وهم راضون، في ظل تعهدات بزيادة الإنفاق العسكري وشراء مزيد من الأسلحة الأمريكية.
أما قمة هذا العام، فمن غير المرجح أن تشهد خطوات كبيرة مماثلة، لكن الحلفاء يسعون إلى التأكيد لإدارة ترامب أنهم يبذلون جهوداً أكبر، حتى في الوقت الذي يحاولون فيه سد الفجوات التي خلفها سحب أو إعادة نشر القوات والمعدات الأمريكية. ورغم ذلك، لا تزال المخاوف قائمة.
نتائج عكسية
وقال دبلوماسي ثانٍ في الناتو: «في الواقع، لدينا قصة إيجابية يمكن روايتها بشأن التحول الذي يشهده الحلف وقيام أوروبا وكندا بدور أكبر». وأضاف: «الهجوم على أوروبا بالطريقة التي مارسها وزير الدفاع علناً الخميس الماضي سيكون ذا نتائج عكسية».
وأوضح مسؤول ثالث في الناتو مطلع على التحضيرات أن المحادثات في البيت الأبيض «ستركز على كيفية وفاء الحلفاء بالالتزامات التي تم التعهد بها خلال قمة الناتو في لاهاي العام الماضي، بما في ذلك زيادة الاستثمارات الدفاعية، وتوسيع الإنتاج الصناعي العسكري، ومواصلة دعم أوكرانيا».
ومع ذلك، يمتلك روته بعض الأوراق التي يمكنه استخدامها، فقد ضخ الحلف عشرات المليارات في ميزانياته الدفاعية خلال السنوات الأخيرة، وعمل على زيادة الإنتاج المحلي وتخزين الأسلحة والذخائر.
وقال مسؤول رابع في الناتو إن اجتماع البيت الأبيض «سيُظهر أن الحلفاء يدفعون نحو مزيد من الاستثمارات في المعدات العسكرية». وأضاف: «نحن نرفع مستوى مساهماتنا، وعلى روته أن يواصل التأكيد على أن الولايات المتحدة تجني فوائد كبيرة من بقائها عضواً فاعلاً في الناتو».
ومن بين هذه الفوائد برنامج يتيح لدول الناتو شراء أسلحة وذخائر أمريكية تمهيداً لإرسالها إلى أوكرانيا، وهو ما يلبي مطالب ترامب بتحقيق مكاسب اقتصادية للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يواصل دعم كييف في حربها المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات مع روسيا.
وقال مسؤول خامس في الحلف إن الرسالة التي ينبغي أن يحملها روته هي: «الوحدة، وعدم وجود مفاجآت، وعدم إظهار أي خلافات إلى العلن»، لكن تحقيق ذلك يعتمد إلى حد كبير على المزاج العام للرئيس الأمريكي وكبار مستشاريه.