ميلوني وترامب.. من تحالف الضرورة إلى صدام المصالح
رغم تقاربهما السابق، كان الصدام متوقعا بين الرئيس الأمريكي ورئيسة الوزراء الإيطالية التي تسعى لتعزيز حظوظها الانتخابية.
ولسنوات استغلت رئيسة الوزراء الإيطالية اليمينة جورجيا ميلوني، فكرة أنها الحليف الأوروبي الأمثل للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأنها قادرة على لعب دور الوسيط في علاقاته مع الاتحاد الأوروبي، إلا أن روما لم يكن أمامها أي فرصة لتجنب القائمة السوداء لحركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" أو "ماغا".
وفي حين اتفقت ميلوني مع ترامب في قضايا مثل الهجرة والحرب الثقافية، فإنه كان من المتوقع أن تنتقد حركة "ماغا" انخفاض الإنفاق الدفاعي الإيطالي وفائضها التجاري الكبير مع الولايات المتحدة، وذلك وفقا لما ذكرته مجلة "بوليتيكو" الأمريكية.
ويقول الأستاذ في جامعة ساري، دانييلي ألبرتاتزي: "بالنظر إلى التضارب الجذري بين المصالح الأمريكية والأوروبية، كان الصدام متوقعاً دائماً".
ورغم أن المواجهة كانت حتمية، فإنه لم يكن من المؤكد كيف سترد ميلوني، فعلى عكس معظم قادة العالم الذين تجاهلوا الإهانات الشخصية لترامب، اتخذت رئيسة الوزراء الإيطالية، المعروفة بمواقفها الحادة، خطوة غير مألوفة بتصعيد الخلاف، وهاجمت الرئيس الأمريكي بشدة لانتهاكه كرامة إيطاليا الوطنية.
وبعدما سخر ترامب من ميلوني يوم الجمعة الماضي، وقال إنها "توسلت" إليه لالتقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع واتهمها باستغلال علاقتهما لتحقيق مكاسب سياسية داخلية، ردت عليه قائلةً إنه اختلق الحادثة، وإن شعبيتها تتراجع بسبب صداقتها معه.
وكانت حدة ردها محسوبة بدقة سياسية في بلد يكره ترامب بشدة، وفي وقت تستعد فيه ميلوني لانتخابات العام المقبل حيث أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة "إيبسوس" في مايو/أيار أن 77% من الإيطاليين لديهم رأي سلبي تجاه الرئيس الأمريكي.
وإيمانًا منهم بالمنطق السياسي القوي لمواجهة ترامب، حظيت ميلوني بدعم شركائها في الائتلاف الحاكم، فوصف وزير الخارجية أنطونيو تاجاني، تصريحات الرئيس الأمريكي بأنها "خطيرة ومسيئة"، وألغى زيارة مقررة إلى الولايات المتحدة.
لكن هذا لا يعني أن ميلوني بمنأى عن الانتقادات فقد صرح الحزب الديمقراطي المعارض (يسار الوسط) بأنها أخطأت حين ظنت أنها قادرة على ترويض ترامب.
وكانت ميلوني قد عززت علاقاتها مع ترامب بعد إعادة انتخابه، وقدمت نفسها كحلقة وصل بين واشنطن وبروكسل، لكن حرب إيران غيرت هذا المسار.
فقد أعرب الناخبون الإيطاليون عن قلقهم إزاء ارتفاع أسعار الطاقة وخطر اتساع نطاق الصراع، مما جعل قرب ميلوني الملحوظ من ترامب "عبئًا كبيرًا"، بحسب ألبرتاتزي.
وبدأ هجوم ترامب بعدما بدأت ميلوني النأي بنفسها عن واشنطن، رافضة السماح للقاذفات الأمريكية بالوصول إلى القواعد الإيطالية.
ومن وجهة نظر مؤيدي ترامب، فإن المشاكل أعمق من مجرد فائض الميزان التجاري الإيطالي وقال المحرر الدولي لبرنامج "غرفة الحرب" التلفزيوني الذي يقدمه ستيف بانون، بن هارنويل، إن البيت الأبيض كان يشعر بانزعاج متزايد من مساعي ميلوني لتقديم نفسها كوسيط بين واشنطن وأوروبا.
وأضاف: "ترامب لا يحتاج إلى وسيط.. بإمكانه إجراء مكالمة هاتفية مع أي شخص ذي شأن، دون الحاجة إلى مساعدة ميلوني".
وزعم أن هجوم ترامب العلني كان يهدف إلى توجيه رسالة وقال: "من خلال حديثه مع شبكة إيطالية، أراد ترامب بوضوح إذلالها أمام شعبها".
واعتبر ألبرتازي أن الهجوم كان مهينًا للغاية بحيث لا يمكن تجاهله وقال: "كان عليها أن ترد، لأنني أعتقد أن الثمن السياسي لعدم الرد كان سيكون باهظًا للغاية".
وأضاف: "لقد عاملها ترامب بشكل سطحي، كمعجبة.. وبصفتها قومية، فهي بحاجة إلى الحفاظ على صورة شخص يتمتع بالكرامة والقوة".
ومع ذلك، حذر هارنويل من تفسير الخلاف على أنه قطيعة دائمة، وقال: "ترامب لا يحمل ضغينة.. يمكنك أن تختلف معه ثم تعود إليه طالما أنك تقر بأنه صاحب الكلمة العليا"، مشيرا إلى أنه لا ينبغي المبالغة في أهمية إيطاليا داخل البيت الأبيض.
ورغم المكاسب الانتخابية المحتملة لميلوني من خلافها الحاد مع ترامب، فإن روما لا تظهر أي مؤشر حقيقي على التخلي عن تحالفها الاستراتيجي الأوسع مع واشنطن.
وفي حين ألغى تاجاني رحلته إلى واشنطن، إلا أنه أصر على حضور احتفالات الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة في الرابع من يوليو/تموز في روما، وهي احتفالات بالغة الأهمية لترامب.
وقال عضو مجلس الشيوخ عن حزب الرابطة من أقصى اليمين، كلاوديو بورغي، إن روما كان ينبغي أن تتبنى أهداف ترامب لأوروبا بشكل أوثق منذ البداية، بما في ذلك السعي إلى مفاوضات ثنائية بشأن الرسوم الجمركية مع واشنطن بدلاً من العمل عبر بروكسل ونصح الحكومة بـ"بذل قصارى جهدها من اليوم لتجاوز هذا الوضع المؤسف دبلوماسياً".
وقال عالم السياسة والعميد المشارك لكلية إدارة الأعمال في روما، ليو غورتي، إن إيطاليا، رغم الخطابات العلنية، لا تزال تعتمد على التحالف عبر الأطلسي كما كانت دائمًا.
وأضاف أن "رد ميلوني الأولي الحازم لا يؤثر على سياسة إيطاليا، التي لا تزال تحاول التمسك بالعلاقة عبر الأطلسي".