ميلوني ليست الأولى.. أبرز خلافات قادة اليمين الأوروبي مع ترامب
لم تعد رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني استثناء داخل معسكر اليمين الأوروبي؛ فخلال الأشهر الأخيرة اتسعت دائرة القادة الشعبويين والمحافظين الذين دخلوا في خلافات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتكشف هذه الخلافات عن تصدعات متزايدة داخل ما بدا قبل سنوات مشروع تحالف أيديولوجي عابر للأطلسي.
فبعدما شكّل ترامب مصدر إلهام سياسي للعديد من الأحزاب القومية الأوروبية، بدأت خلافات جوهرية تظهر إلى السطح بشأن ملفات حساسة، أبرزها الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتهديدات الأمريكية المتعلقة بغرينلاند، إضافة إلى السياسات التجارية التي استهدفت شركاء أوروبيين تقليديين، وفقا لمجلة نيوزويك، الأمريكية.
الارتباط بترامب يتحول إلى عبء انتخابي
يرى مراقبون أن التباعد الحالي لا يقتصر على خلافات سياسية آنية، بل يرتبط أيضاً بحسابات انتخابية داخلية. فالعلاقة الوثيقة مع ترامب، التي كانت منحت زخماً لبعض قادة اليمين الأوروبي، بات ينظر إليها في العديد من الدول باعتبارها عبئاً سياسياً قد يكلّف أصحابها جزءاً من قاعدتهم الانتخابية.
وتجسد هذا التوتر مؤخراً في السجال الذي دار بين ترامب وميلوني، بعدما ادعى الرئيس الأمريكي أن رئيسة الوزراء الإيطالية "توسلت" لالتقاط صورة معه على هامش قمة مجموعة السبع، وهو ما نفته روما بشدة، قبل أن تلغي وزيرة الخارجية الإيطالية زيارة كانت مقررة إلى واشنطن.
ميلوني.. من جسر بين واشنطن وأوروبا إلى مسافة محسوبة
كانت ميلوني قد قدمت نفسها منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025 بوصفها حلقة وصل بين الولايات المتحدة وأوروبا، إلا أن التطورات الأخيرة دفعتها إلى اتخاذ مواقف أكثر استقلالية.
فمع اندلاع الحرب على إيران، أعلنت روما صراحة عدم توافقها مع النهج الأمريكي، قبل أن تتخذ خطوة أكثر حساسية برفض السماح باستخدام قاعدة سيغونيلا الجوية في صقلية لدعم العمليات العسكرية المرتبطة بالنزاع. واعتُبر القرار محاولة لتجنب الانخراط في حرب لا تحظى بتأييد شعبي داخل إيطاليا، في ظل المخاوف المتزايدة من تداعياتها الاقتصادية وارتفاع أسعار الطاقة.
وتقول ناتالي توتشي، أستاذة الدراسات الدولية بجامعة جونز هوبكنز، إن الخلاف بين الطرفين يعكس في جوهره صداماً بين نزعات قومية متنافسة، مضيفة أن العلاقة السياسية الشخصية بين ترامب والعديد من القادة الأوروبيين أصبحت أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
اليمين الفرنسي يرفع سقف الانتقادات
في فرنسا، لم يعد حزب التجمع الوطني يخفي تحفظاته تجاه سياسات ترامب الخارجية. فقد وصفت مارين لوبان مواقفه بشأن الأزمة الإيرانية بأنها "متقلبة"، بينما انتقد رئيس الحزب جوردان بارديلا ما اعتبره عودة إلى "نزعات إمبريالية"، في إشارة إلى المواقف الأمريكية تجاه غرينلاند وفنزويلا.
وأثار الحديث الأمريكي المتكرر عن فرض السيطرة على غرينلاند حالة استياء واسعة داخل الأوساط السياسية الأوروبية، بما في ذلك لدى أحزاب يمينية كانت تنظر سابقاً بإيجابية إلى تجربة ترامب السياسية.
ألمانيا بين القلق الأمني والتوتر السياسي
لم تقتصر الانتقادات على الأحزاب القومية، بل امتدت إلى الحكومة الألمانية نفسها. فقد دعا قادة حزب البديل من أجل ألمانيا إلى إعادة النظر في الوجود العسكري الأمريكي داخل البلاد، فيما دخل المستشار فريدريش ميرتس في مواجهة مباشرة مع البيت الأبيض عندما وصف الموقف الأمريكي خلال المفاوضات مع إيران بأنه "مهين".
ورد ترامب بلهجة حادة، ملوّحاً بإمكانية تقليص الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا، وهو تهديد أثار مخاوف بشأن انعكاساته المحتملة على توازنات الأمن الأوروبي ومستقبل حلف شمال الأطلسي "الناتو".
وفي المملكة المتحدة، اضطر نايجل فاراج، أحد أبرز المؤيدين الأوروبيين لترامب، إلى توجيه انتقادات نادرة للرئيس الأمريكي، معتبراً أن التهديدات المتعلقة بغرينلاند تمثل "عملاً عدائياً للغاية"، وإن كان لا يزال حريصاً على عدم قطع جسور التواصل معه بالكامل.
ويعكس هذا الموقف اتجاهاً أوسع داخل اليمين الأوروبي، حيث باتت شعبية ترامب تمثل عامل استقطاب قد يضر بالأحزاب القومية أكثر مما يفيدها في بعض الساحات الانتخابية.
توافق أيديولوجي.. وحدود سياسية
ورغم استمرار التقاطعات الفكرية بين ترامب وحركات اليمين الأوروبي في قضايا مثل الهجرة والهوية الوطنية والسيادة، فإن التطورات الأخيرة كشفت حدود هذا التقارب عندما تتعارض السياسات الأمريكية مع المصالح الوطنية الأوروبية.
فبالنسبة لكثير من القادة الأوروبيين، لم تعد العلاقة مع ترامب مسألة انسجام أيديولوجي فحسب، بل أصبحت اختباراً معقداً للتوازن بين القناعة السياسية ومتطلبات المصلحة الوطنية.
الخلافات الحالية لا تشير إلى انهيار كامل للتحالف بين اليمين الأوروبي وترامب، لكنها تكشف بوضوح عن مرحلة جديدة تتسم بقدر أكبر من الحذر والمسافة السياسية.
فبينما يظل التقارب قائماً في ملفات عديدة، أظهرت أزمات إيران وغرينلاند والتجارة أن المصالح الوطنية الأوروبية قادرة على فرض حدود واضحة على أي تحالف أيديولوجي عابر للحدود.
وبذلك يبدو أن "الترامبية الأوروبية" التي بدت يوماً مشروعاً سياسياً صاعداً، تواجه اليوم اختباراً حقيقياً قد يعيد رسم ملامح العلاقة بين ضفتي الأطلسي خلال السنوات المقبلة.