خلصت هيئة محلفين في ولاية نيو مكسيكو إلى أن شركة ميتا انتهكت قوانين حماية المستهلك وألحقت أضرارًا بصحة الأطفال النفسية وسلامتهم.
وفي القرار الذي جاء بعد محاكمة استمرت نحو 7 أسابيع، قضت هيئة المحلفين بفرض غرامة قدرها 375 مليون دولار على الشركة، وهو مبلغ أقل من خمس القيمة التي سعى إليها الادعاء والتي قاربت 2 مليار دولار، لكنه استند إلى تطبيق الحد الأقصى للعقوبة في كل انتهاك فردي. فقد تم احتساب نحو 37,500 انتهاك، مع فرض غرامة تصل إلى 5,000 دولار لكل حالة، ما يعكس حجم المخالفات التي رصدتها المحكمة.
وتضمنت المحاكمة عرض أدلة وشهادات من خبراء ومسؤولين سابقين، إلى جانب وثائق داخلية، وأظهرت أن الشركة كانت على دراية بالمخاطر التي تواجه المستخدمين القُصّر، لكنها لم تتخذ إجراءات كافية للحد منها. كما استندت القضية إلى تحقيقات ميدانية، من بينها عمليات تجريبية كشفت عن تعرض حسابات يُفترض أنها لأطفال لمحتوى ضار واستغلال.
ويُعد هذا الحكم من أوائل الأحكام القضائية التي تُحمّل شركة تكنولوجيا كبرى مسؤولية مباشرة عن أضرار تتعلق باستخدام منصاتها، خاصة فيما يخص الأطفال. ورغم ضخامة الغرامة، فإنها لا تمثل نهاية القضية، إذ من المتوقع أن يقرر القاضي لاحقًا ما إذا كانت هناك عقوبات إضافية أو برامج تعويض يجب فرضها لمعالجة الأضرار.
كما أعلنت الشركة نيتها الطعن على الحكم، مؤكدة أنها تستثمر في إجراءات السلامة وأنها تعمل على تحسين أدوات الحماية، في وقت تواجه فيه ضغوطًا قانونية متزايدة.
وتأتي هذه القضية ضمن موجة أوسع من الدعاوى القضائية، حيث يواجه قطاع التكنولوجيا تدقيقًا متصاعدًا، مع وجود أكثر من 40 ولاية أمريكية تشارك في تحركات قانونية مماثلة تتعلق بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للأطفال.
ويسلط الحكم الضوء على تحول مهم في التعامل القانوني مع شركات التكنولوجيا، حيث لم تعد المساءلة تقتصر على المحتوى، بل امتدت إلى تصميم المنصات وتأثيرها المباشر على المستخدمين، خاصة الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
جهود وطنية
وتشهد عدة دول حول العالم تحركات متسارعة لفرض قيود على استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي، في ظل تزايد المخاوف من تأثيراتها على الصحة النفسية والسلوك الرقمي للقُصّر.
وفي مقدمة الدول التي اتخذت خطوات تشريعية، أقرت فرنسا قانونًا يُلزم بالحصول على موافقة أولياء الأمور لاستخدام المنصات لمن هم دون 15 عامًا، بهدف تعزيز الرقابة الأسرية على النشاط الرقمي. كما تطبق الصين نظامًا صارمًا يفرض قيودًا على مدة الاستخدام والمحتوى المتاح للقاصرين، ضمن سياسة أوسع لتنظيم الفضاء الرقمي.
وفي كوريا الجنوبية، جرى اعتماد تشريعات لحماية القُصّر تشمل التحقق من العمر وتقييد الوصول إلى بعض الخدمات الرقمية، في إطار قوانين السلامة الإلكترونية.
في المقابل، لا تزال دول أخرى في مرحلة النقاش أو الإعداد لتشريعات مماثلة. ففي المملكة المتحدة، يتصاعد الجدل حول تشديد قوانين السلامة على الإنترنت، بما في ذلك رفع الحد الأدنى للعمر أو فرض آليات تحقق أكثر صرامة. أما في الولايات المتحدة، فتتباين السياسات بين الولايات، حيث تدرس جهات تشريعية رفع سن الاستخدام إلى 16 عامًا أو اشتراط موافقة الأهل.
وتُعد أستراليا من أبرز الدول التي تبحث خطوات متقدمة في هذا الاتجاه، إذ تناقش الحكومة فرض حد أدنى قد يصل إلى 16 عامًا. كما تدرس النرويج رفع سن الاستخدام من 13 إلى 15 عامًا، بينما تناقش هولندا سياسات تهدف إلى تأخير استخدام الأطفال للمنصات.
وعلى مستوى أوسع، تعتمد دول الاتحاد الأوروبي على «اللائحة العامة لحماية البيانات» (النظام الأوروبي لحماية البيانات)، التي تحدد سن الموافقة الرقمية بين 13 و16 عامًا، مع اشتراط موافقة أولياء الأمور لمن هم دون ذلك.
ويعكس هذا التوجه العالمي إدراكًا متزايدًا للمخاطر المرتبطة باستخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي، وسط دعوات متزايدة لوضع أطر قانونية توازن بين حرية الاستخدام وحماية الفئات الأصغر سنًا، في ظل بيئة رقمية تتطور بوتيرة متسارعة.