اتصالات بولس تفتح نافذة في أزمة ليبيا.. حراك أمريكي لفتح الانسداد (خاص)
تحركات أمريكية مكثفة لتحريك المياه الراكدة في ليبيا، عبر سلسلة اتصالات يقودها مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وسط تواصل حالة الجمود السياسي والانقسام المؤسسي التي تعرقل الوصول إلى تسوية شاملة.
هذه التحركات أثارت تساؤلات حول مدى قدرة واشنطن على تحويل حراكها الدبلوماسي إلى خطوات عملية تدفع نحو الانتخابات وتوحيد المؤسسات.
اتصالات موسعة
أحدث تلك التحركات الأمريكية، تمثلت في إعلان بولس إجراء أربع مكالمات منفصلة مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة وممثل عسكريي شرق ليبيا صدام حفتر وممثل عسكريي غرب ليبيا عبد السلام الزوبي، ومسؤول صندوق إعمار ليبيا بلقاسم حفتر.

اتصالات قال عنها بولس، إنها تناولت ملفات المصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسات وتعزيز الاستقرار والديمقراطية، مؤكداً أن مستقبل ليبيا ينبغي أن يُبنى عبر عملية سياسية شاملة تعكس تطلعات مختلف المناطق والمكونات الليبية.
وشدد على أهمية إشراك جميع الأطراف في رسم مستقبل البلاد، مع تجديد التزام واشنطن بدعم مسار السلام والوحدة والحوكمة الديمقراطية، والعمل مع مختلف القوى الليبية لتحقيق الاستقرار والازدهار.
تحول في المقاربة
ويرى مراقبون، أن الخطاب الأمريكي شهد تحولاً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة، إذ انتقل من التركيز على التقارب بين شرق البلاد وغربها إلى الحديث عن إشراك مختلف المكونات السياسية والاجتماعية في أي تسوية مستقبلية.
وفي ظل استمرار الانقسام السياسي وتضارب حسابات القوى المحلية تبدو اتصالات بولس مؤشراً على عودة الاهتمام الأمريكي بالملف الليبي، لكنها لم ترتق بعد إلى مستوى الاختراق القادر على تغيير قواعد اللعبة أو فرض مسار تسوية نهائي، بحسب مراقبين، ربطوا نجاحها في أي اختراق بما إذا كانت واشنطن ستكتفي بدور الوسيط والداعم أم أنها ستنتقل إلى مرحلة ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية أكثر تأثيراً لدفع الأطراف الليبية نحو تسوية طال انتظارها.
عقبات على الطريق
وفي هذا السياق، اعتبر السياسي الليبي والمرشح الرئاسي السابق سليمان البيوضي، أن بولس يحاول إظهار وجود حراك أمريكي في الملف الليبي، لكنه لا يزال يواجه صعوبة في استيعاب التعقيدات الداخلية للأزمة.
وأوضح البيوضي في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن المسؤول الأمريكي عدّل خطابه بعد تصاعد الانتقادات الموجهة لمبادرته، مشيرًا إلى أن حديثه الحالي عن إشراك الجميع يختلف عن الطرح السابق الذي ركز على التقريب بين الشرق والغرب فقط.

وأضاف أن الليبيين لا ينبغي أن يعولوا كثيراً على تدخل أمريكي حاسم في المرحلة الحالية، معتبراً أن واشنطن قد تلجأ إلى أدوات وشخصيات أخرى إذا قررت رفع مستوى انخراطها المباشر في الأزمة.
مؤشرات إيجابية
في المقابل، يرى أستاذ العلوم السياسية ورئيس حزب ليبيا الكرامة يوسف الفارسي، أن الاتصالات التي يجريها بولس تأتي ضمن مبادرة أمريكية متكاملة بدأت تؤسس تدريجياً لنتائج ملموسة.
وأوضح أن جميع اللقاءات والاتصالات التي أجراها المسؤول الأمريكي خلال الأشهر الماضية تصب في اتجاه واحد يتمثل في تحريك العملية السياسية، وكسر حالة الجمود التي عطلت الانتخابات لسنوات.
وأشار إلى أن واشنطن تبدو مقتنعة بأن المؤسسات السياسية التقليدية لم تعد قادرة بمفردها على إنتاج حلول مستدامة، ما دفعها إلى توسيع دائرة التواصل مع القوى المؤثرة على الأرض.
وأضاف أن هذه التحركات تتزامن مع الاستعدادات لاجتماعات اللجنة المصغرة "4+4" المعنية بمناقشة القوانين الانتخابية، وهو ما يعكس وجود مسار عملي يجري العمل عليه للوصول إلى استحقاق انتخابي خلال الفترة المقبلة.
وبحسب الفارسي، فإن اهتمام واشنطن بالملف الليبي يرتبط أيضاً باعتبارات استراتيجية تشمل أمن الطاقة واستقرار الاستثمارات طويلة الأجل، إلى جانب ملفات توحيد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية وتوفير البيئة اللازمة لإجراء الانتخابات.
هل هناك نتائج؟
الباحث في الشؤون الاستراتيجية والسياسية محمد امطيريد يرى أن المبادرة الأمريكية تجاوزت مرحلة الطرح النظري ودخلت بالفعل مرحلة التنفيذ في بعض الملفات.
وأكد في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن جزءاً من المبادرة تحقق عبر تفاهمات اقتصادية ساهمت في إحراز تقدم في قضايا مالية مهمة، فضلاً عن الاجتماعات العسكرية التي استضافتها مدينة سرت بمشاركة ممثلين عن قوات الشرق والغرب، لبحث توحيد المؤسسة العسكرية.
ويرى أن الملف السياسي لا يزال الحلقة الأكثر تعقيداً بسبب تشابك المصالح المحلية والدولية، إلا أن التقدم في المسارين الاقتصادي والعسكري قد يوفر أرضية أكثر صلابة للبناء السياسي لاحقاً.
وأضاف أن الاتصالات التي يجريها بولس تستهدف المحافظة على ما تحقق والبناء عليه سواء فيما يتعلق بتوحيد المؤسسات أو التحضير للمرحلة التنفيذية المقبلة، بما في ذلك النقاشات المتعلقة بإعادة هيكلة السلطة التنفيذية والمجلس الرئاسي