شركة أوروبية على صلة بالناتو تتعامل مع أقمار صينية مثيرة للجدل
كشف تحقيق موسع أجرته مجلة «نيوزويك» عن منح شركة أوروبية رائدة في خدمات الأقمار الاصطناعية، ترتبط ملكيتها بجهة دفاعية متعاقدة مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تراخيص للتعامل مع عشرات الأقمار الاصطناعية الصينية.
ويسلط هذا التطور الضوء على التداخل المتزايد بين المصالح التجارية والاعتبارات الأمنية في قطاع الفضاء.
وبحسب وثائق صادرة عن هيئة الاتصالات النرويجية، سُمح لشركة «كونغسبيرغ لخدمات الأقمار الاصطناعية» بالتواصل مع 42 قمرًا اصطناعيًا تابعًا لشركة «تشانغ غوانغ لتكنولوجيا الأقمار الاصطناعية»، التي تُعد أكبر شركة أقمار اصطناعية تجارية في الصين.
وتشير المعطيات إلى أن هذه الشركة تأسست بشراكة بين حكومة مقاطعة جيلين ومعهد أبحاث حكومي مرتبط بقطاع الدفاع، ما يعزز الشكوك حول ارتباطها بالبنية العسكرية الصينية، رغم طابعها التجاري المعلن.
يأتي هذا الكشف في سياق تصاعد القلق الدولي بشأن الدور الذي تلعبه شركات الفضاء التجارية في النزاعات الجيوسياسية، مع تزايد الاعتماد على صور وبيانات الأقمار الاصطناعية في العمليات العسكرية والاستخباراتية.
وبرز هذا الدور بوضوح خلال الحرب الروسية في أوكرانيا، والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، والهجمات على الملاحة في البحر الأحمر، حيث باتت البيانات الفضائية عنصرًا حاسمًا في دعم العمليات الميدانية.
وفي هذا الإطار، سبق أن أعربت وزارة الخارجية الأمريكية عن مخاوفها من أن تكون شركة «تشانغ غوانغ» قد قدمت دعمًا مباشرًا لجماعات مسلحة مدعومة من إيران، وتنفي بكين هذه المزاعم.
كما أثارت لجنة في الكونغرس الأمريكي مخاوف موازية بشأن احتمال تسريب معلومات حساسة عن تحركات القوات الأمريكية عبر شركات فضاء غربية، في قضايا طالت شركات مثل «إيرباص سبيس»، التي سارعت إلى نفي أي صلة لها بنقل بيانات إلى جهات صينية.
وتدير شركة «كونغسبيرغ» شبكة واسعة من المحطات الأرضية، من بينها محطة «سفالسات» في أرخبيل سفالبارد النرويجي، والتي تُعد من أكبر منشآت الاتصال بالأقمار الاصطناعية في المدار القطبي، إلى جانب محطة «ترولسات» في القارة القطبية الجنوبية.
وتوفر هذه البنية التحتية خدمات الربط الصاعد والهابط لعدد كبير من الأقمار الاصطناعية حول العالم، ما يمنحها موقعًا محوريًا في منظومة الاتصالات الفضائية العالمية. ويقع مقر الشركة في مدينة ترومسو، وهي مملوكة بشكل مشترك لشركة «كونغسبيرغ للدفاع والفضاء» وشركة «سبيس نورواي» الحكومية، مع حضور تجاري ملحوظ في السوق الأمريكية.
ورغم حساسية هذه الأنشطة، امتنعت الشركة عن التعليق على تفاصيل عملائها، مؤكدة التزامها ببنود السرية الصارمة. كما أوضحت أن مدة التراخيص، الممتدة حتى عام 2028، لا تعني بالضرورة تشغيل الأقمار الاصطناعية بشكل مستمر طوال هذه الفترة.
في المقابل، صعّدت هيئة الاتصالات النرويجية من ضغوطها التنظيمية، ملوّحة بفرض غرامة جديدة على الشركة بسبب ما وصفته بـ«اتصالات غير قانونية» مع عدد من الأقمار الاصطناعية عبر محطاتها الأرضية.
وتُعد هذه المخالفة الثانية خلال أقل من نصف عام، ما يعكس تنامي المخاوف بشأن مدى التزام الشركة بالقوانين المنظمة لهذا القطاع الحساس.
ويرى خبراء في قطاع الاتصالات أن مجرد التقدم بطلبات لتشغيل أقمار اصطناعية مرتبطة بالصين يطرح إشكاليات استراتيجية، خاصة في ظل العقوبات المفروضة على شركة «تشانغ غوانغ» من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى، على خلفية اتهامات بدعم القاعدة الصناعية العسكرية الروسية.
ورغم أن الوثائق تشير إلى استخدامات مدنية لهذه الأقمار، مثل الزراعة ورسم الخرائط، فإن محللين يشككون في هذه الرواية، معتبرين أن قدراتها التقنية تتيح توظيفها كأدوات استطلاع متقدمة، لا سيما في مناطق حساسة مثل القطب الشمالي، حيث تتقاطع المصالح الجيوسياسية الكبرى.
وفي موازاة ذلك، تتزايد المخاوف الأمريكية من توسع الشركات الصينية في مجال الاستخبارات الفضائية، خصوصًا مع صعود شركات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور، ونشر بيانات دقيقة عن مواقع عسكرية حساسة. وقد كشفت هذه التطورات عن ثغرات واضحة في الضوابط الدولية المنظمة لتداول البيانات الفضائية.
ويؤكد محللون أن الصين تمضي قدمًا في تطوير كوكبات أقمار اصطناعية متقدمة في المدار الأرضي المنخفض، ضمن استراتيجية تهدف إلى توظيف الفضاء كأداة نفوذ جيوسياسي، سواء بشكل مباشر أو عبر شراكات مدنية وتجارية. ويُحذر هؤلاء من أن هذا التداخل بين الاستخدامات المدنية والعسكرية يخلق "منطقة رمادية" يصعب تنظيمها أو مراقبتها بفاعلية.
ويكشف هذا الملف عن واقع جديد في عالم الفضاء، حيث لم تعد الأقمار الاصطناعية مجرد أدوات مدنية، بل تحولت إلى عناصر فاعلة في صراعات النفوذ الدولي. ومع اتساع هذا الدور، تتزايد الحاجة إلى أطر تنظيمية أكثر صرامة، تضمن عدم تحول التكنولوجيا الفضائية إلى قناة غير مباشرة لتغذية النزاعات وتعقيد المشهد الأمني العالمي.