الناتو يطلق سباقاً لإنتاج المتفجرات.. وقود الحروب الحديثة
أطلقت الحرب في أوكرانيا جرس إنذار داخل الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، بعدما كشفت عن هشاشة سلاسل الإمداد العسكرية.
وبعد عقود من نقل إنتاج المتفجرات إلى الخارج، تسابق دول الحلف الزمن لإعادة توطين هذه الصناعات الاستراتيجية، في تحول يعكس إعادة تقييم شاملة لأولويات الأمن القومي.
ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، يجري العمل حالياً على ما لا يقل عن 24 مشروعاً جديداً لإنتاج المتفجرات والمواد الدافعة داخل دول "الناتو"، من بينها ثلاثة مشاريع في ولاية أركنساس الأمريكية، التي بدأت تبرز كمركز رئيسي للصناعات الدفاعية.
ويأتي هذا التحول بعدما أثبتت الحرب الأوكرانية أن النزاعات الحديثة لا تعتمد فقط على الأسلحة الذكية مرتفعة الكلفة، وإنما تستنزف أيضاً كميات هائلة من الذخائر التقليدية، وفي مقدمتها قذائف المدفعية، الأمر الذي كشف محدودية القدرات الإنتاجية الغربية واعتمادها على سلاسل توريد عالمية أصبحت عرضة للاضطرابات الجيوسياسية.
أوكرانيا تكشف ثغرات الصناعة
وعلى مدى عقود، بنت الولايات المتحدة وحلفاؤها استراتيجياتهم العسكرية على فرضية امتلاك مخزونات كافية من الذخائر الدقيقة وإمكانية تعويضها عبر سلاسل إمداد مستقرة. غير أن الحرب في أوكرانيا قلبت هذه المعادلة، بعدما فرضت استهلاكاً كثيفاً للذخائر التقليدية التي تتطلب قاعدة صناعية مختلفة تماماً.

ويقول مسؤولون في قطاع الصناعات الدفاعية، إن الغرب فقد جانباً مهماً من سيادته الصناعية نتيجة التخلي تدريجياً عن إنتاج المواد الأساسية اللازمة لصناعة الذخائر، بعدما دفعت اعتبارات الكلفة والقيود البيئية الشركات إلى نقل مصانعها إلى الخارج عقب انتهاء الحرب الباردة.
واليوم، تجد الحكومات الغربية نفسها مضطرة لإعادة بناء هذه القاعدة الصناعية من الصفر تقريباً.
وتبرز ولاية أركنساس الأمريكية في مقدمة هذا التوجه، حيث تستعد شركة "ريغولوس غلوبال" لإطلاق أول مشروع أمريكي منذ عام 1986 لإنتاج الوقود ثلاثي القاعدة المستخدم في الذخائر المتقدمة.
كما تعمل شركة "دي آند إم هولدينغ" على إنشاء مصنع جديد للمواد الدافعة بدعم مرتقب من وزارة الدفاع الأمريكية، بينما تخطط شركة "هانوا ديفنس" الكورية الجنوبية لإقامة منشأة مماثلة، في وقت لا تزال الولايات المتحدة تعتمد على مصنع وحيد لإنتاج هذا النوع من المواد يعود تاريخ إنشائه إلى حقبة الحرب العالمية الثانية.
اختناقات في المواد الخام وسباق مع الزمن
تعتمد صناعة الذخائر الحديثة على نوعين رئيسيين من المواد؛ الأولى مواد دافعة لإطلاق المقذوفات، والثانية متفجرات مسؤولة عن التأثير التدميري، وكلاهما يتطلب عمليات تصنيع معقدة وخطرة.
غير أن تقليص الاستثمارات الغربية في هذا القطاع أدى إلى اختفاء معظم المصانع المحلية. ففي الولايات المتحدة، تراجع عدد مصانع الذخيرة الحكومية من 32 مصنعاً عام 1978 إلى 11 فقط، بينما تقلص عدد مصانع مادة "تي إن تي" في أوروبا من سبعة مصانع إلى مصنع واحد، الأمر الذي جعل الدول الغربية تعتمد بصورة متزايدة على الواردات، ولا سيما من بولندا ودول أخرى.
وفي ظل هذا النقص، برزت الهند كمورد رئيسي للمتفجرات، إذ تنتج شركة "كالياني للأنظمة الاستراتيجية" نحو 60 ألف قذيفة شهرياً مع خطط لمضاعفة الإنتاج.
لكن حتى نيودلهي لا تتمتع بالاكتفاء الذاتي الكامل، إذ لا تزال تعتمد على استيراد بعض المواد الكيميائية الأساسية، ما يعكس الطبيعة المعقدة والمترابطة لسلاسل الإمداد العالمية الخاصة بصناعة الذخائر.

ولا يقتصر التحدي على الإجراءات الإدارية، إذ تواجه الصناعة أيضاً مخاطر تشغيلية مرتفعة. فقد أدى انفجار وقع العام الماضي في مصنع تابع لشركة "أكيوريت إنرجيتيك سيستمز" بولاية تينيسي إلى مقتل 16 عاملاً، في حادثة أعادت التذكير بطبيعة هذه الصناعة عالية الخطورة وما تتطلبه من معايير سلامة صارمة.
ورغم هذه التحديات، تمضي واشنطن في تنفيذ خطة واسعة لتعزيز الاكتفاء الذاتي، بعدما خصصت نحو 50 مليار دولار ضمن مشروع ميزانية الدفاع لتطوير مصادر محلية للمعادن والمواد الكيميائية والطاقة المستخدمة في إنتاج الذخائر، بما يشمل إعادة تشغيل مناجم لاستخراج مواد تدخل في تصنيع الأسلحة.
ويعكس هذا التوجه قناعة متزايدة داخل الولايات المتحدة وحلفائها بأن التفوق العسكري في الحروب المستقبلية لن يعتمد فقط على امتلاك أحدث الأسلحة، بل أيضاً على القدرة المستدامة على إنتاج الذخائر والمواد المتفجرة داخل الحدود الوطنية، بعيداً عن تقلبات الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد الخارجية.