فرنسا تدق باب أفريقيا بـ«سياسة جديدة».. شراكة بلا «قيود لغوية»
بعد ضربات بـ"الحديقة القديمة"، تبحث فرنسا عن شركاء جدد في القارة السمراء، بعيدا عن قيود اللغة، والبداية من الشرق؛ وتحديدا كينيا.
إذ ذكرت صحيفة "لوموند" الفرنسية، أن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، للعاصمة الكينية نيروبي، تعكس نهاية مرحلة اتسمت بالاضطراب في علاقات فرنسا مع القارة الأفريقية، وبداية محاولة لإعادة التموضع في مشهد إقليمي متغير.
وأوضحت الصحيفة، أن وصول ماكرون إلى نيروبي جاء وسط أجواء إيجابية، حيث بدا مرتاحًا خلال لقائه بنظيره الكيني ويليام روتو، في مؤشر على رغبة باريس في فتح صفحة جديدة مع شركاء أفارقة خارج نطاق نفوذها التقليدي.
وأضافت «لوموند»، أن ماكرون تعهد منذ وصوله للحكم، بإعادة بناء العلاقة بين فرنسا ومستعمراتها السابقة في أفريقيا على أسس أكثر توازنًا، إلا أن هذا المشروع الطموح واجه تحديات كبيرة حالت دون تحقيقه بالشكل المأمول.
"لوموند" مضت قائلة، إن الرئيس الفرنسي وجد نفسه في كثير من الأحيان مقيدًا بواقع سياسي وأمني معقد، تخللته أزمات متلاحقة، مما أعاق تنفيذ رؤيته لإقامة شراكة جديدة قائمة على الاحترام المتبادل.
وعلى مدى عقود، اتسمت علاقة فرنسا بأفريقيا بعلاقاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية العميقة مع مستعمراتها السابقة، وهو نظام يُعرف على نطاق واسع في الأوساط الأكاديمية والسياسية باسم «فرانسافريك»، وفق صحيفة "أفريقان بزنس" المعنية بشؤون القارة السمراء.
وشكّل هذا النموذج، الذي استند إلى التقارب اللغوي والاندماج الثقافي وشبكات النخبة والتعاون الأمني، نفوذ فرنسا في أنحاء غرب ووسط أفريقيا لأكثر من نصف قرن.
سياق متقلب
لكن السنوات الأخيرة شهدت تصاعدًا في الأزمات داخل منطقة الساحل، حيث تراجعت مكانة فرنسا بشكل ملحوظ نتيجة الانقلابات العسكرية وتصاعد الخطاب المعادي لوجودها.
في هذا السياق، قال المفكر الكاميروني، أشيل مبيمبي، إن ماكرون “وجد نفسه، رغمًا عنه، داخل عاصفة من التحديات”، في إشارة إلى الضغوط السياسية والأمنية التي حدت من قدرة باريس على الحفاظ على نفوذها التقليدي في المنطقة.
ورغم ذلك، فإن ماكرون يُعد من أكثر الرؤساء الفرنسيين زيارة للقارة الأفريقية، حيث قام بجولات متعددة شملت نحو عشرين دولة منذ توليه السلطة، بمعدل يقارب زيارتين سنويًا، وفق "لوموند".
لوموند لفتت إلى أن هذا الحضور المكثف يعكس اهتمامًا شخصيًا من الرئيس الفرنسي بالقارة، التي يرى فيها فضاءً مليئًا بالحيوية والإبداع، بعيدًا عن تعقيدات السياسة الداخلية في فرنسا.
تحول استراتيجي
ومع تعقيدات الساحل واهتمام ماكرون بأفريقيا، شرع الأخير في ما يصفه المراقبون بـ«التوجه الاستراتيجي نحو أفريقيا الناطقة بالإنجليزية»، وهو إعادة تقييم لسياسة فرنسا تجاه أفريقيا بهدف تحقيق مشاركة قارية أوسع نطاقاً وأكثر شمولاً، وفق "أفريقان بزنس".
"لوموند" بدورها، أكدت أن هذا التوجه يعكس تحولًا استراتيجيًا في السياسة الفرنسية، يهدف إلى التكيف مع واقع قارة لم تعد تدور في فلك قوة واحدة.
الصحيفة مضت موضحة، أن كينيا تبرز اليوم كدولة محورية في شرق أفريقيا، ما يجعلها شريكًا استراتيجيًا مهمًا لفرنسا في سعيها لإعادة بناء حضورها في القارة.
وأشارت إلى أن اختيار نيروبي يعكس إدراك باريس لأهمية الانفتاح على قوى اقتصادية صاعدة لا ترتبط معها بإرث استعماري، ما يمنح العلاقة طابعًا أكثر توازنًا.
ورأت أن زيارة إيمانويل ماكرون إلى نيروبي تمثل محاولة لإغلاق فصل مضطرب في علاقة فرنسا بأفريقيا، وبدء مرحلة جديدة تقوم على البراغماتية والشراكة الاقتصادية.
وأكدت أن نجاح هذه المقاربة سيعتمد على قدرة باريس على فهم التحولات العميقة داخل القارة، والتخلي عن أنماط النفوذ القديمة، لصالح علاقات أكثر تكافؤًا مع شركائها الأفارقة.
الأكثر من ذلك، توجه فرنسا نحو أفريقيا الناطقة باللغة الإنجليزية والبرتغالية، من كينيا إلى نيجيريا وجنوب أفريقيا وإثيوبيا وأنغولا، هو توجه استراتيجي وضروري في آن واحد، على حد قول الكاتب توني كان، بـ"أفريقان بزنس".
إذ إن هذه البلدان تعد قوى اقتصادية ومراكز للابتكار وجهات دبلوماسية مؤثرة. كما أنها تمثل مستقبل النمو الديمغرافي والاقتصادي في أفريقيا، بحسب المصدر ذاته.