ماكرون يختبر في اليونان «الدرع الأوروبية».. «لحظة مفصلية» (خاص)
من الحرب الإيرانية مرورًا بالتوترات في مضيق هرمز، إضافة إلى الحرب الروسية في أوكرانيا، دفعت توترات إقليمية تتصاعد وتيرتها الدول الأوروبية إلى تسريع مسار بناء الجدار الدفاعي المشترك.
ففي زيارة تجاوزت أبعادها العلاقات الثنائية، لتلامس مستقبل الدفاع الأوروبي، جاءت رحلة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أثينا التي بدأت الجمعة وتنتهي السبت، لتتوج شراكة، قد تتحول إلى نموذج عملي لما يُعرف بـ«الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي».
وتعكس هذه الزيارة توجهًا استراتيجيًا جديدًا، حيث شارك ماكرون مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، في نقاش عام حول السيادة الأوروبية، بحسب شبكة «يورونيوز» الأوروبية.
لحظة مفصلية
وبحسب خبراء استطلعت «العين الإخبارية» آراءهم، فإن هذه الزيارة تمثل لحظة مفصلية في مسار بناء دفاع أوروبي مشترك.
واعتبر الباحث الفرنسي جان-دومينيك ميرشيه، المتخصص في الشؤون العسكرية الأوروبي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن زيارة ماكرون لأثنينا تحمل بعدًا عمليًا مرتبطًا بالصناعات الدفاعية، مشيرًا إلى أن باريس تسعى إلى ترسيخ موقعها كمورد رئيسي للأسلحة داخل أوروبا، خاصة في ظل زيادة الإنفاق العسكري.
ورأى ميرشيه أن التعاون مع اليونان يمثل «مختبرًا حقيقيًا» للدفاع الأوروبي، حيث يجمع بين الالتزام السياسي والقدرات العملياتية، مثل صفقات طائرات رافال والفرقاطات.
وحذر في الوقت ذاته من أن تعميم هذا النموذج على بقية دول الاتحاد الأوروبي يظل معقدًا، بسبب تباين المصالح الوطنية.
رسائل بارزة
واعتبر أن زيارة ماكرون تحمل رسالة واضحة وهي أن أوروبا مطالبة ببناء قوتها الدفاعية بنفسها، وفرنسا مستعدة لقيادة هذا المسار، لكن عبر شراكات انتقائية وواقعية، وليس من خلال مشاريع جماعية واسعة يصعب تنفيذها.
وكان ماكرون قد صرح في مارس/آذار الماضي، من على متن حاملة الطائرات شارل ديغول، قائلا، إن «فرنسا لن تكون سلبية، بل ستدعم حلفاءها الإقليميين وتحافظ على حرية الملاحة».
دلالات التوقيت
بدوره، قال الباحث الفرنسي المتخصص في العلاقات الدولية في معهد الدراسات الاستراتيجية الفرنسي فريديريك شاريون لـ«العين الإخبارية»، إن توقيت زيارة ماكرون إلى اليونان يعكس «إحساسًا متزايدًا بالإلحاح داخل أوروبا لبناء قدرة دفاعية مستقلة».
وأشار شاريون إلى أن تعدد الأزمات، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، كشف محدودية الاعتماد الكامل على حلف شمال الأطلسي، ما يدفع فرنسا إلى تعزيز شراكات أوروبية ثنائية قوية.
وأضاف شاريون، أن اختيار اليونان ليس صدفة، فهي تقع في موقع جغرافي استراتيجي يربط أوروبا بالشرق الأوسط وشرق المتوسط، ما يجعلها شريكًا محوريًا في أي تصور أوروبي للأمن البحري والطاقة.
ورأى شاريون أن باريس تسعى من خلال هذه الزيارة إلى «تحويل الخطاب حول الاستقلال الاستراتيجي إلى واقع ملموس»، عبر اتفاقيات دفاعية قابلة للتنفيذ.
اتفاق دفاعي يتجاوز الإطار الثنائي
وتتمحور الزيارة حول تجديد اتفاق الشراكة الاستراتيجية في مجالي الدفاع والأمن، الموقع عام 2021 بين فرنسا واليونان، الذي يتضمن بندًا للدفاع المشترك يلزم الطرفين بتقديم الدعم، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية، في حال تعرض أحدهما لهجوم.
ويمثل هذا الاتفاق خطوة متقدمة داخل الاتحاد الأوروبي، حيث وصفه ماكرون سابقًا بأنه «خطوة جريئة نحو الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي»، في حين اعتبره الجانب اليوناني ضمانة لأمن البلاد.
تعاون عسكري وصناعي متصاعد
وشهدت العلاقات بين باريس وأثينا تطورًا ملحوظًا على المستوى العملي، حيث اقتنت اليونان 24 طائرة مقاتلة من طراز داسو رافال، كما يجري تنفيذ برنامج الفرقاطات بيلهارا، مع تسليم أول سفينة «كيمون».
ويمتد التعاون إلى المجال الصناعي، حيث تعمل شركات فرنسية كبرى مثل نافال غروب، وتاليس، وسافران، وإيرباص مع شركاء يونانيين، ليس فقط في الدفاع، بل أيضًا في مجالات التكنولوجيا والابتكار.
شراكة تتوسع
ولم تعد العلاقات مقتصرة على الدفاع، بل توسعت لتشمل قطاعات الطاقة والبنية التحتية والابتكار، بما يعزز التنافسية الأوروبية.
ويعكس هذا التوجه رغبة مشتركة في بناء علاقة متعددة الأبعاد، رغم استمرار التحديات داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة في ظل غياب استراتيجية موحدة في بعض القطاعات الحيوية.