من نيامي إلى أبيدجان.. «الإرهاب» يعيد رسم خرائط الثقة (خبراء)
وسط تفاقم التهديدات الإرهابية واتساع رقعة الهجمات المسلحة في غرب أفريقيا، مُنيت المنطقة بصدع جديد، أثقل كاهل الأجهزة الأمنية، وأعاد ساعة المقاربات الأمنية التقليدية إلى الوراء.
وشهدت العلاقات بين النيجر وكوت ديفوار تصعيدًا ملحوظًا عقب تصريحات رئيس المجلس الوطني لحماية الوطن في النيجر، عبد الرحمن تياني، الذي اتهم الرئيس الإيفواري ألاسّان واتارا، إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس بنين باتريس تالون، بأنهم يشكّلون «رعاة للإرهاب»، في أعقاب الهجوم الذي استهدف مطار نيامي الدولي في 29 يناير/كانون الثاني، والذي تبناه لاحقا تنظيم «داعش».
الرد الإيفواري جاء سريعًا، إذ جرى في 30 يناير/كانون الثاني استدعاء سفيرة النيجر لدى كوت ديفوار، لتقديم احتجاج رسمي شديد اللهجة، وفق ما أكده أمادو كوليباي، وزير الإعلام والمتحدث باسم الحكومة الإيفوارية، خلال مجلس الوزراء في 4 فبراير/شباط الجاري، مشيرًا إلى أن هذه الاتهامات «غير مدعومة بأدلة».
ضغط أمني
ذلك الصدع يجب قراءته في إطار ضغط أمني غير مسبوق تواجهه دول الساحل، وليس فقط كرسائل دبلوماسية تصعيدية، بحسب الباحث البنيني جيل يابي، مؤسس ورئيس مركز واثي للأبحاث (مقره داكار).
وأوضح يابي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن الأنظمة العسكرية في النيجر ومالي وبوركينا فاسو وجدت نفسها، منذ استلامها السلطة، في مواجهة مباشرة مع جماعات إرهابية أكثر تنظيمًا وتسليحًا، مستفيدة من هشاشة الحدود، وتداخل المصالح الاقتصادية غير المشروعة، ومسارات التمويل العابرة للدول.
وأضاف أن هذه السلطات باتت ترى أن استمرار تدفق السلاح والمقاتلين لا يمكن أن يتم دون بيئات خلفية أو نقاط ارتكاز لوجستية خارج حدودها المباشرة، ما يفسر تصاعد الشكوك تجاه بعض دول الجوار.
ويقول مؤسس ورئيس مركز واثي للأبحاث إن خطاب المجالس العسكرية لا يستهدف بالضرورة الدخول في صدام دبلوماسي دائم، بل يسعى إلى إعادة رسم قواعد النقاش الإقليمي حول الأمن، وفرض مقاربة جديدة تقوم على تحميل كل الأطراف مسؤولياتها في منع استخدام أراضيها كمساحات عبور أو دعم غير مباشر للجماعات المسلحة.
تحول في العقيدة الأمنية
في السياق نفسه، تقول الباحثة النيجيرية كومفورت إيرو، رئيسة مجموعة الأزمات الدولية في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن ما يجري يعكس تحولًا عميقًا في العقيدة الأمنية لدول الساحل، خصوصًا بعد تراجع الثقة في الشراكات الدولية التقليدية.
وأوضحت إيرو، أن المجالس العسكرية الحاكمة تعتبر أن التهديد الإرهابي لم يعد ظاهرة داخلية فحسب، بل نتيجة شبكة إقليمية معقدة من المصالح والتغاضي السياسي، مشيرة إلى أن تحميل أطراف خارجية مسؤولية غير مباشرة يعد، في نظر هذه الأنظمة، جزءًا من معركة سيادية تهدف إلى استعادة السيطرة الكاملة على القرار الأمني.
وأضافت أن الهجوم على مطار نيامي شكل نقطة تحوّل، لأنه استهدف رمزًا سياديًا وحيويًا للدولة، ما دفع السلطات النيجرية إلى رفع سقف خطابها، في رسالة مفادها أن مرحلة الصمت أو الاكتفاء بالمعالجات الأمنية الضيقة قد انتهت.
لماذا يعد التصعيد مفصليًا؟
وأشارت إيرو إلى أن استدعاء سفيرة النيجر يمثل نقطة تحول في إدارة الخلافات، لكنه في الوقت ذاته يعكس تصادم رؤيتين للأمن الإقليم:
- رؤية دول الساحل التي ترى أن المعركة ضد الإرهاب وجودية وتبرر خطابًا حادًا وإجراءات سيادية صارمة
- رؤية دول خليج غينيا التي تفضّل الحفاظ على التوازن الدبلوماسي وتجنب الانخراط في اتهامات علنية.
وترى إيرو أن المجالس العسكرية لا تسعى إلى عزل نفسها دبلوماسيًا، بل إلى فرض مقاربة جديدة للأمن الجماعي، تبنى على الوضوح والمساءلة، وتضع حدًا لما تعتبره ازدواجية في مواقف بعض الفاعلين الإقليميين والدوليين.
توترات متراكمة
وأوضحت مجلة «جون أفريك» الفرنسية أن التوترات بين كوت ديفوار ودول الساحل ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، حيث سبق للسلطات الانتقالية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر أن عبرت عن شكوكها حيال الدور الإقليمي لأبيدجان.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، صرّح قائد المرحلة الانتقالية في بوركينا فاسو، الكابتن إبراهيم تراوري، بأن الأراضي الإيفوارية تستخدم كـ«قاعدة خلفية لأعداء بوركينا فاسو»، كما تأزمت العلاقات الإيفوارية–المالية منذ 2022 عقب توقيف 49 جنديًا إيفواريًا في باماكو، ما أدى إلى تآكل الثقة بين الطرفين.