دبلوماسية «تينوبو».. محاولة لاستعادة بريق نيجيريا المفقود
بعد سنوات من التراجع والانكفاء، تسعى نيجيريا إلى إعادة صياغة دورها الإقليمي، عبر تحركات دبلوماسية وأمنية متسارعة.
منذ نحو عقدين، أصبحت فكرة تراجع السياسة الخارجية النيجيرية بديهية بين الباحثين والمحللين فبعد قيام الرئيس السابق أولوسيغون أوباسانجو، الذي حكم من 1999 إلى 2007 بإخراج البلاد من أزمتها الدبلوماسية وأعادها إلى حظوة المجتمع الدولي، فقدت أبوجا بريقها على الساحة الدولية.
ظاهريًا، يبدو أن الرئيس الحالي بولا تينوبو، الذي تولى منصبه عام 2023، قد أدى إلى زيادة هذا التراجع فأعطى انطباعًا بأن السياسة الخارجية ليست من أولويات إدارته، وكان من أوائل قراراته استدعاء جميع السفراء سعيًا وراء ما وصفه بـ"الكفاءة العالمية" في السلك الدبلوماسي النيجيري ولا تزال العديد من هذه المناصب شاغرة حتى اليوم.
لكن بالتدقيق، نجد أن هناك منهجًا خفيًا وراء تحركات تينوبو، خاصة في منطقة غرب أفريقيا فعلى الرغم من هذا التخبط الظاهر، قد يكون الرئيس بصدد بناء ملف دبلوماسي يضع نيجيريا على طريق استعادة مكانتها السابقة كقوة دبلوماسية عظمى وذلك وفقا لتحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية.
ولا يعد فهم سبب نظرة المحللين المتفائلة إلى عهد أوباسانجو أمرا صعبا فقد حظي الرئيس السابق بظروف مواتية كثيرة إذ وضع استراتيجية شاملة للسياسة الخارجية لبلد يسعى للخروج من عزلته الدبلوماسية بعد فشل الحقبة العسكرية، حين أصبحت نيجيريا فعلياً دولة مارقة، وتصرفت على هذا النحو، مما دفع المجتمع الدولي، وتحديدا الديمقراطيات الغربية إلى تجنبها تماماً.
ومنح أوباسانجو السياسة الخارجية النيجيرية حيوية وثقة أثمرت عن زيادة الاستثمارات الدولية، وتخفيف الديون بمقدار 18 مليار دولار، وظهور صورة جديدة كدولة مستعدة لتولي زمام القيادة في القارة الأفريقية.
لكن بعدها يمكن القول إن السياسة الخارجية النيجيرية فقدت بوصلتها ولا يعد من المبالغة القول إن أي مبدأ حقيقي كان غائباً عملياً.
وكان عمر موسى يارادوا، خليفة أوباسانجو المباشر، منشغلاً بصحته، ولم يمكث في منصبه إلا فترة وجيزة لم يتمكن خلالها من تطبيق مبادئ "دبلوماسية المواطن" التي اشتهر بها، والتي كانت محاولةً لنقل محور السياسة الخارجية النيجيرية من الجغرافيا السياسية التقليدية إلى رفاهية المواطنين العاديين، في الداخل والخارج.
أما غودلاك جوناثان، الذي تولى السلطة بعد وفاة يارادوا المفاجئة عام 2010 فكان ملتزمًا بشكلٍ مبهم بـ"السلام العالمي" وقيادة نيجيريا للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس).
إلا أنه كان مثقلًا بضرورة ترسيخ شرعيته الشخصية في الداخل، فضلًا عن ضغوط التصدي لتمرد بوكو حرام المتطرف الناشئ آنذاك ويكشف تعاقب أربعة وزراء خارجية خلال سنوات حكمه الخمس إلى فوضى عارمة.
لاحقا، كان لدى خليفة جوناثان، محمدو بخاري، أفضل فرصة لإعادة ضبط مسار الدبلوماسية لكن فترة حكم بخاري من 2015 إلى 2023، لم تسلم وزارة الخارجية من نفس النقص في المبادرة والنزعة الإقليمية المزمنة التي أدت إلى فشل رئاسته.
وقد يبدو أن تينوبو واصل إرث اللامبالاة والانعزالية مع وجود مؤشرات ضئيلة على أن رحلاته الخارجية المتكررة تتوافق مع أي فلسفة دبلوماسية شاملة أو أهداف ملموسة في السياسة الخارجية كما أنه لم يعين بدلاء للسفراء الذين أمر باستدعائهم.
وفي الوقت نفسه فإن العلاقة بين الركائز الأربع الرئيسية لسياسته الخارجية (الديمقراطية، والتنمية، والديموغرافيا، والشتات) ليست واضحة تمامًا، مما دفع النقاد إلى التلميح بأن إدارته ربما جمعتها معًا لتحقيق رنين لفظي أكثر من كونها ترابطًا سياسيًا.
لكن التدقيق يكشف عن وجود نوع من المبادئ التي تقوم عليها سياسة تينوبو الخارجية حيث كان الرئيس النيجيري مدفوعًا بحرصه على حماية الديمقراطية الليبرالية.
وأثبت تينوبو التزامه بالديمقراطية فبعد انقلاب النيجر، قاد إيكواس في إدانة الانقلاب وحاول إعادة الرئيس محمد بازوم إلى منصبه، لكنه فشل.
في المقابل، نجح في بنين فبعد محاولة فصيل من الجيش البنيني الإطاحة بالحكومة المنتخبة ديمقراطيًا للرئيس باتريس تالون، لم يتردد تينوبو في نشر طائرات مقاتلة وقوات برية لإحباط الانقلابيين.
وواجه تينوبو اختبارًا صعبًا بسبب بوركينا فاسو ومالي والنيجر التي يقودها مجلس عسكري وانفصلت عن إيكواس في يناير/كانون الثاني 2025 لتشكيل تحالف دول الساحل.
ومع أنه ليس من المؤكد إمكانية استمالة هذه الدول للعودة، إلا أن نجاح تينوبو في عقد عدة اجتماعات معها، وخاصة النيجر، بهدف التصدي لتنامي التمرد في المنطقة، يعد دليلاً على براعة نيجيريا الدبلوماسية المتنامية وعزمها الواضح على رأب الصدع.
ويبدو أن هذه المبادرات نابعة من رغبة صادقة في رؤية إيكواس موحدة، وهو موقف عبّر عنه تينوبو نفسه في مقال نشرته "فورين بوليسي" بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس المجموعة العام الماضي.
كما أن تينوبو يتعاون بشكل مستمر مع واشنطن في مكافحة الإرهاب، وهي شراكة محفوفة بالمخاطر السياسية، ولكنها في الوقت نفسه تنطوي على فوائد محتملة.
ورغم المخاطرة باستعداء المؤسسة السياسية النافذة في شمال نيجيريا، التي لطالما تعاملت مع واشنطن وحلفائها الغربيين بمزيج من الشك والاستياء، أقر تينوبو تعاونًا مباشرًا بين الجيشين الأمريكي والنيجيري أواخر العام الماضي، شمل تبادل المعلومات الاستخباراتية وعمليات الاستطلاع المشتركة.
ولعل أهم إنجاز لهذا التعاون حتى الآن هو العملية المشتركة التي جرت في مايو/أيار الماضي وأسفرت عن القضاء على القيادي البارز في تنظيم داعش أبو بلال المنكي.
وبالطبع، فإن تينوبو ليس أوباسانجو، وإدارته لا تزال تسعى جاهدة للحاق بركب جنوب أفريقيا، التي تحدت مكانة نيجيريا كقائدة في القارة السمراء منذ أن أصبحت ديمقراطية متعددة الأعراق عام 1994.