معسكر «سنتشري».. قاعدة منسية قد تحل أزمة غرينلاند
قبل 60 عاما تخلت أمريكا عن قاعدتها العسكرية في القطب الشمالي والآن، قد تصبح الحل لمشكلة غرينلاند.
في ستينيات القرن الماضي وفي خضم الحرب الباردة، كان علماء أمريكيون يجرون مشروعا بحثيا سريا في أعالي الدائرة القطبية الشمالية، وسط صحراء غرينلاند المتجمدة حين توصلوا إلى فكرة عبقرية: ماذا لو أمكن إخفاء صواريخ نووية داخل الغطاء الجليدي القطبي؟ فقد تتمكن من النجاة من ضربة سوفياتية، ثمّ تنتقم انتقامًا مروعًا.
لكن الجيش الأمريكي اضطر إلى التخلي عن هذا الحلم بعدما اتضح له أن الحقول الجليدية المتحركة باستمرار لن تكون أبدًا ملاذًا آمنًا لصوامع الصواريخ ومع ذلك بقي موقع مشروع "مدينة تحت الجليد" المعروفة باسم معسكر "سنتشري".
واليوم قد يحمل المعسكر مفتاح حل مشكلة دبلوماسية لم تتوقع الحكومات الأوروبية قط مواجهتها، وهي احتمال استيلاء أمريكا على غرينلاند من الدنمارك وذلك وفقا لما ذكرته صحيفة "تلغراف" البريطانية.
ومع تزايد الإدراك لجدية موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اشتعل سباق محموم بحثا عن حلول لمنع واشنطن من استخدام القوة ضد حلفائها في ضربة قد تؤدي إلى انهيار حلف شمال الأطلسي (ناتو).
وقبل اللقاء المرتقب اليوم بين وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، مع ممثلين دنماركيين، هناك تحركات عاجلة لوضع خطط لبعثة جديدة للناتو لتأمين غرينلاند، ربما بمشاركة القوات البريطانية لكن إذا كانت هذه الفكرة غير كافية لإرضاء ترامب، فقد يكمن الحل في معسكر "سنتشري" ليصبح "قاعدة سيادية" أمريكية على غرار القواعد البريطانية في قبرص.
تعد قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني على الساحل الجنوبي لقبرص أكثر القواعد البريطانية ازدحامًا في الخارج، بينما يمتلك مقر الاتصالات الحكومية البريطانية مركز تنصت حيويًا في منطقة ديكليا الشرقية.
وما يميز هاتين المنشأتين هو أنهما تقعان على أراضٍ بريطانية ذات سيادة حيث يرفرف علم المملكة المتحدة فوق أكروتيري وديكيليا، وهما، من الناحية القانونية، بريطانيتان تماماً.
وقال مايكل كلارك، الأستاذ الزائر في قسم دراسات الحرب في كلية كينغز كوليدج لندن "قد تكون هذه طريقة لمنح ترامب النصر الذي يريده، لذا فهي تبدو منطقية".
وأوضح أن أي حل ممكن يجب أن يتعامل مع حقيقة أن الأسباب المعلنة التي ساقها ترامب للاستيلاء على غرينلاند لا تبدو منطقية موضوعياً.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قذ قال في وقت سابق:"نحن بحاجة إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي"، متجاهلاً أن أمريكا لديها بالفعل اتفاقية مع الدنمارك منذ عام 1951، تسمح لواشنطن "بإنشاء وتركيب وصيانة وتشغيل" أي قاعدة عسكرية في غرينلاند.
كما يتمتع الجيش الأمريكي بحرية الوصول إلى البحار المحيطة بالجزيرة، فحتى لو كان ترامب محقًا في ادعائه بأن "سفنًا روسية وصينية" تجوب هذه المياه حاليًا، فإن واشنطن قادرة بالفعل على مواجهة هذا التهديد بأي عمليات نشر ضرورية دون الحاجة "للسيطرة" على غرينلاند.
وخلال الحرب الباردة، استخدمت أمريكا حقوقها بموجب اتفاقية 1951 لبناء أرخبيل واسع النطاق يضم ما لا يقل عن 17 منشأة في جميع أنحاء الجزيرة، تتراوح بين المطارات ومحطات الرادار ومراصد الأرصاد الجوية.
وفي أقصى شمال غرينلاند، على بُعد أكثر من 1000 ميل من نوك، عاصمة غرينلاند، حفر مهندسون أمريكيون نفقًا في نهر جليدي لإنشاء معسكر "سنتشري" السري عام 1960 والذي كان عبارة عن متاهة من أماكن السكن ومرافق البحث وأُطلق عليه "مشروع دودة الجليد" وكان يعمل بمفاعل نووي تحت الأرض، وضمّ 200 خبير درسوا إمكانية إخفاء صوامع الصواريخ تحت الثلج وهو أمر اتضح استحالته فتم إغلاق المعسكر عام 1967.
لاحقًا، ومع انتهاء الحرب الباردة، فككت الولايات المتحدة جميع منشآتها العسكرية في غرينلاند باستثناء منشأة واحدة، وسحبت فعليًا جميع جنودها البالغ عددهم 6000 جندي.
واليوم، تعد قاعدة بيتوفيك الفضائية المنشأة الأمريكية الوحيدة المتبقية على شواطئ خليج بافن، على بُعد 138 ميلاً غرب موقع معسكر سينشري المهجور حيث يراقب نحو 200 جندي أمريكي الصواريخ الباليستية القادمة كجزء من نظام الإنذار المبكر الأمريكي.
وإذا أصبحت بيتوفيك أرضًا ذات سيادة أمريكية، كما هو الحال مع قاعدة أكروتيري التابعة لبريطانيا، فسيكون بإمكان ترامب أن يقول إنه غرس العلم الأمريكي في الثلج وكسب أرضًا جديدة للولايات المتحدة.
ولو تم منح معسكر سينشري المهجور وربما مواقع جميع المواقع العسكرية السابقة الأخرى نفس المكانة، لظهرت 17 راية أمريكية على الخريطة، ولربما أُضيفت بضع مئات من الأميال المربعة من الغطاء الجليدي القطبي إلى أمريكا.
وبالنظر إلى أن غرينلاند تغطي مساحة تزيد عن 836 ألف ميل مربع، ويبلغ عدد سكانها 56 ألف نسمة فقط، فلن يُحدث ذلك فرقًا عمليًا يُذكر.
وفي الماضي تم شراء حوالي 40% من أراضي الولايات المتحدة الحالية وأبرز مثالين على ذلك هما صفقة لويزيانا عام 1803 وصفقة ألاسكا عام 1867.
وتتفق ماريون مسمر، مديرة برنامج الأمن الدولي في مركز تشاتام هاوس للأبحاث، على أن هذا "قد يكون" حلاً، وأوضحت أن أي تنازلات إقليمية يتم تقديمها تحت ضغط أمريكي ستكون بمثابة ضربة قاسية للدنمارك وغرينلاند.
وقالت "سيظل ذلك تنازلاً كبيراً للدنمارك وغرينلاند، ولكنه أفضل من المخاطرة بهجوم أمريكي، لذا أتفهم سبب قبولهما لهذا الخيار.. بالنسبة لهما، تعد هذه المسألة مسألة أمن قومي بالغة الأهمية، لدرجة أنهما قد تُقدمان تنازلات واسعة النطاق لإنهاء هذا الوضع."
ووسط المخاوف من أن يتصرف ترامب بشكل أحادي ويعلن سيادة الولايات المتحدة على بيتوفيك أو سينشري قد يكون أفضل خيار أمام الدنمارك هو استباق ذلك بعرض تحويل هذه المنشآت إلى مناطق قواعد سيادية كجزء من تسوية شاملة.
وبعض الاحتمالات أسوأ بكثير فقد كشف روبيو عن رغبة أمريكا في شراء غرينلاند بأكملها لكن الحكومة الدنماركية لا تملك السلطة القانونية ولا الرغبة في بيع أراضيها ومواطنيها لقوة أجنبية.
وإذا لم يكن هناك حل يُمكن للدنمارك أن تُصرّ على موقفها وتحشد حلفاءها الأوروبيين، لكن هذا الخيار سيزيد من خطر لجوء أمريكا إلى العمل العسكري.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNDMg
جزيرة ام اند امز