«جمرة القيظ» تبدأ الخميس.. لماذا تُعد أشد الفترات حرارة بالجزيرة العربية؟ (خاص)
تستعد مناطق واسعة من شبه الجزيرة العربية اعتبارا من الخميس 16 يوليو/تموز لدخول فترة "جمرة القيظ".
وتعرف هذه المرحلة تقليديا بأنها ذروة الصيف وأشد أيامه حرارة، حيث تستمر نحو 26 يوما قبل أن تبدأ درجات الحرارة بالتراجع تدريجيا مع اقتراب ظهور نجم سهيل في أواخر أغسطس/آب.
ورغم ارتباط جمرة القيظ بالموروث المناخي العربي القديم، فإن الدراسات المناخية الحديثة تؤكد أن النصف الثاني من يوليو/تموز وأغسطس/آب يمثل بالفعل الفترة التي تبلغ فيها درجات الحرارة ذروتها في معظم مناطق الجزيرة العربية، نتيجة تراكم الحرارة على سطح الأرض واستمرار تأثير الإشعاع الشمسي القوي لفترات طويلة.

ما هي جمرة القيظ؟
وتُطلق تسمية "جمرة القيظ" على الفترة التي تبدأ مع طلوع نجم المرزم ثم نجم الكليبين، ويبلغ مجموع مدتهما نحو 26 يوما. وعبر قرون طويلة، اعتبر سكان الجزيرة العربية هذه الفترة الأكثر قسوة مناخيا، حيث ترتفع درجات الحرارة إلى مستوياتها القصوى خاصة في المناطق الداخلية والصحراوية.
ويرتبط مصطلح "القيظ" في اللغة العربية بشدة الحر، وقد اعتمد العرب قديما على مراقبة النجوم لتحديد المواسم الزراعية والمناخية قبل ظهور أدوات الرصد الحديثة، ما جعل نجوم المرزم والكليبين وسهيل جزءا من الذاكرة المناخية للمنطقة.
لماذا تبلغ الحرارة ذروتها في هذه الفترة؟
ويقول د.خالد بدران، الباحث في فيزياء الطقس لـ "العين الإخبارية"، إن " الأبحاث المناخية توضح أن أشد أيام الصيف لا تتزامن بالضرورة مع الانقلاب الصيفي في يونيو، بل تأتي بعده بأسابيع فيما يُعرف علميا بظاهرة "التأخر الموسمي".
ويوضح أن " الأرض والمسطحات المائية تستمر في امتصاص الطاقة الشمسية حتى بعد وصول الشمس إلى أعلى ارتفاع لها خلال العام، ما يؤدي إلى تراكم الحرارة تدريجيا لتبلغ مستوياتها القصوى خلال يوليو وأغسطس".
ووفق دراسات منشورة من المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وهيئات الأرصاد الإقليمية، فإن مناطق الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية تُعد من أكثر مناطق العالم تأثرا بهذه الظاهرة، حيث تتجاوز درجات الحرارة في بعض المناطق 50 درجة مئوية خلال فترات القيظ الشديد.

موجات الحر في الجزيرة العربية تزداد شدة
وتشير أبحاث حديثة صادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشهد ارتفاعا أسرع من المتوسط العالمي في درجات الحرارة.
وتتوقع النماذج المناخية زيادة تكرار موجات الحر الشديدة وطول مدتها خلال العقود المقبلة، ما يجعل فترات القيظ أكثر قسوة مقارنة بما كانت عليه قبل عقود.
كما أظهرت دراسة نشرت في دورية "نيتشر كلايمت تشانغ " أن بعض مناطق الخليج العربي قد تسجل في المستقبل مستويات مرتفعة من "درجة الحرارة الرطبة"، وهي مقياس يجمع بين الحرارة والرطوبة ويعد أكثر ارتباطا بتأثيرات الإجهاد الحراري على الإنسان.
متى يبدأ انكسار الحر في الجزيرة العربية؟
وبحسب الموروث الفلكي العربي، يبدأ التحول التدريجي في الأجواء مع ظهور نجم سهيل فجر 24 أغسطس/آب 2026، حيث يُرى منخفضا في الأفق الجنوبي الشرقي قبل شروق الشمس بنحو نصف ساعة.
ويُعد سهيل ثاني ألمع نجم في السماء الليلية بعد الشعرى اليمانية، وقد ارتبط ظهوره منذ القدم ببداية انكسار القيظ وتراجع درجات الحرارة الليلية.
ويقول د.بدران، إن هذا الارتباط لا يعود إلى تأثير مباشر للنجم نفسه، بل إلى تزامن موعد ظهوره السنوي مع تغيرات موسمية حقيقية تبدأ خلالها ساعات النهار بالتناقص تدريجيا، وتنخفض شدة الإشعاع الشمسي مقارنة بذروة الصيف.
هل تنخفض درجات الحرارة فور ظهور سهيل؟
ورغم الاعتقاد الشعبي السائد بأن ظهور سهيل يعني نهاية الحر مباشرة، فإن الواقع المناخي أكثر تعقيدا، كما يؤكد د.بدران.
ويضيف أن "الدراسات المناخية طويلة المدى تُظهر أن الانخفاض يكون تدريجيا، ويظهر أولًا خلال ساعات الليل والصباح الباكر، بينما قد تستمر الأجواء الحارة نهارا لأسابيع أخرى، خاصة في المناطق الصحراوية والداخلية، ولهذا يصف المختصون ظهور سهيل بأنه بداية رحلة تراجع الحرارة وليس نهايتها الفورية".

ما هو موسم "الصفري" الذي يلي سهيل؟
وتبدأ بعد ظهور سهيل مرحلة انتقالية تُعرف في الجزيرة العربية باسم "الصفري" أو "الأصفري"، وتمتد عادة حتى منتصف أكتوبر تقريبا.
وخلال هذه الفترة تبدأ المؤشرات الأولى للتحول من أجواء الصيف إلى الخريف، فتتراجع درجات الحرارة تدريجيا، ويزداد طول الليل مقارنة بالنهار، كما تبدأ بعض المناطق بملاحظة تغيرات في أنماط الرياح والرطوبة.
الوسم.. موسم المطر الذي ينتظره سكان الجزيرة العربية
ومع منتصف أكتوبر تقريبا يبدأ موسم الوسم، وهو أحد أهم المواسم المناخية في شبه الجزيرة العربية.
ويرتبط الوسم تاريخيا بزيادة فرص هطول الأمطار الخريفية التي تساعد على إنبات النباتات البرية وتحسين المراعي وتغذية التربة بالرطوبة، لذلك اكتسب أهمية كبيرة لدى المجتمعات الرعوية والزراعية عبر التاريخ.
وتؤكد سجلات الأرصاد المناخية أن العديد من حالات الأمطار المؤثرة في الجزيرة العربية تحدث خلال هذه الفترة الانتقالية بين الخريف وبداية الشتاء.
لماذا ما زال الناس يتابعون جمرة القيظ وسهيل؟
ورغم التطور الكبير في علوم الأرصاد الجوية والأقمار الصناعية، ما زالت مواسم مثل جمرة القيظ وسهيل تحظى باهتمام واسع في الجزيرة العربية، لأنها تمثل جزءا من التراث المناخي المتوارث، كما أن توقيتها يتوافق بدرجة كبيرة مع التحولات الموسمية الفعلية التي ترصدها الدراسات المناخية الحديثة.
ولهذا ينظر كثيرون إلى جمرة القيظ باعتبارها الفصل الأخير والأشد حرارة من الصيف، بينما يمثل ظهور سهيل أول إشارة إلى اقتراب الأجواء الأكثر اعتدالا مع نهاية الصيف وبداية الخريف.