صراع السلطة ينخر إيران.. هل يبتلع «هرمز» وعد بزشكيان؟ (خاص)
اعتذار ابتلعته الصواريخ وقرار بإعادة الإنترنت طواه الحرس، وأخيرا وعد لليابان يراكم قائمة من قرارات تصطدم في كل مرة بجدار صد سميك.
ففي إيران، يعتقد مراقبون أن صراع السلطة خرج عن السيطرة لدرجة أن ما كان مركز القيادة يحاول جاهدا إبقاءه بالغرف المغلقة بات يطرح على الملأ في شكل انتقادات أو حتى معارك علنية.
خروج يشي بأن احتدام المعركة يجعل من الصراع مسألة حياة أو موت لقطبيه: الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان المحسوب على الجناح الإصلاحي المعتدل، ومرشد محسوب على المتشددين لكنه فاقد لصلاحيات استأثر بها الحرس الثوري مستفيدا من تطورات سريعة للأحداث.
فبعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي بأول أيام الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي، ارتبكت أضلع الحكم في إيران، واختلطت أوراقه، ما حول المعركة بشكل سريع وغير محسوب نحو الداخل.
ومع إصابة خلفه ونجله مجتبى خامنئي وتواريه عن الأنظار -بشكل قسري أو اختياري- سيطر الحرس الثوري على دواليب الحكم، وبسط نفوذه بشكل أكبر من المعتاد، لكنه اصطدم بقرارات تتعارض مع سياسته من قبل الرئيس، فكان أن احتدت المواجهة بين القطبين، في معركة بدأت قبل ذلك بفترة.
«وعد هرمز»
في وعد قطعه لرئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الإثنين أن طهران ستسهل مرور السفن اليابانية عبر مضيق هرمز الذي عطلت إيران حركة الملاحة فيه منذ بدء الحرب.
وقال بزشكيان إن «إيران على استعداد تام لتسهيل حركة الملاحة البحرية» في مضيق هرمز.
وأضاف «سنسعى جاهدين لضمان مرور سلس وبدون عوائق للسفن اليابانية»، وفق ما أفادت الرئاسة الإيرانية.
وتعتمد اليابان بشكل كبير على مضيق هرمز لاستيراد المحروقات، فيما يظل السؤال المحوري: هل ستفي طهران بالفعل بوعدها لطوكيو؟
عمرو أحمد، خبير الشؤون الإيرانية بـ«المنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار»، يعود على جذور نزاع بين بزكشيان والحرس الثوري سبق الحرب، مستشرفا نهاية معركة بين الجانبين يرى أنها ستكون باقتطاع تذكرة خروج بلا عودة للرئيس من قصر طهران.
وفي حديثه لـ«العين الإخبارية»، يقول أحمد إن «الصراع بين الرئيس بزكشيان والحرس الثوري بدأ بقوة في سبتمبر/ أيلول 2025 حين كان في البرلمان وقدم موازنة للدولة وهذه الموازنة كانت تستهدف الحد من الأموال المرصودة للحرس».
وخطوة بزشكيان حينها «أثارت حفيظة الحرس»، كما يضيف الخبير المصري، «ما تسبب في شن هجوم إعلامي كبير على الرئيس، وبالطبع رفضت لجنة الاقتصاد بمجلس الشورى الإيراني (البرلمان) الموازنة المقدمة حينها لعام 2026».
ومع اندلاع الحرب ومقتل المرشد السابق علي خامنئي، حصل ما يشبه الخلل في نظام القيادة الإيراني، ويعتبر أحمد أن خامنئي الأب «كان يقوم بعملية تصدير صورة الرئيس الإصلاحي، وكان يتسم بالصبر الاستراتيجي وبالتالي كان أيضا عامل حسم في تقليل حدة الصراع أو الهجوم أو استهداف بزشكيان من قبل الحرس»
لكن، وبمقتله والقيادات التي كانت موجودة سابقا، اختلف الأمر، يتابع، «إلى درجة قد يمكن القول معها إن بزشكيان بات يغرد في السرب منفردا».
والنقطة الثانية، بحسب الخبير، «تكمن في التصريحات التي تحدث فيها الرئيس الإيراني عن اتخاذ القرار في دوائر معينة، أي بمعنى -كما يراه هو- أنه ليس ضمن دوائر اتخاذ القرار كرئيس».
وما قاله بزشكيان ينبع «من نقطة سبقت هذه التصريحات، وهي أهم من تلك التصريحات ومن حالة الصراع»، على حد تقدير أحمد، مشيرا إلى ما ورد بنص رسالة تهنئة المرشد الجديد مجتبى خامنئي للبرلمان بانعقاد دورة جديدة.
ووفق الخبير، «تضمنت الرسالة جملة في منتهى الخطورة والحساسية، مفادها أن هرم السلطة في إيران أي المرشد يعترف بوجود انقسامات في الداخل الإيراني».
وفي رسالته، قال المرشد «لا تجعلوا الخلافات المبررة أو غير المبررة أن تتسبب في حالة انقسام، وطالب حتى مجلس الشورى أن يكون أكثر تعاون مع الحكومة الإيرانية من أجل الدفع بمسار المفاوضات والاتفاق».
ومن هنا، جاءت تصريحات الرئيس الإيراني التي بناها على مطلب المرشد بأن يقول للتيارات المتشددة إن هناك دعوة من المرشد بأن نتعاون وأن نتكاتف وأن نكون جميعنا في سياق أو في دائرة اتخاذ القرار، وفق قول أحمد.
لكن على أرض الواقع، لم تتجسد أو لا يبدو أن هناك قبول بتحقيق دعوة المرشد، وهذا ما أكده أحمد بالقول إن ما «يحدث في حقيقة الأمر هو عكس ذلك، حيث لا تزال الانتقادات تحاصر بزكشيان من قبل التيار المتشدد».
وبالأساس، «يعتبر بزشكيان شخصا غير مرغوب فيه من قبل الحرس الثوري»، بحسب الخبير الذي يستشرف وضعا أصعب لما بعد الحرب، بالقول إن «بزكشيان لن يصل للحكم لمرة ثانية، لأن الحرس سيرفض ذلك بشدة».
قرارات وجدار صد
شبه قناعة يبديها خبراء بأن قرارات بزكشيان لن تغادر حيزها النظري، سواء تلك المتعلقة بالشأن الداخلي وتسيير أمور الدولة، أو تلك المرتبطة بالسياسية الخارجية، وهذا ما أثبتته سوابق.
ومؤخرا، أصدر بزشكيان قرارا بإعادة خدمة الإنترنت في إيران بعد قطعها منذ اندلاع الحرب، لكن السلطة القضائية الإيرانية أعلنت لاحقا تعليق عمل "الهيئة الخاصة لتنظيم وإدارة الفضاء الإلكتروني للبلاد" التي شكّلها بزشكيان والتي أمرت بإعادة خدمة الإنترنت.
وحينها، شدّد عضو مجلس الشورى الإيراني يعقوب رضا زاده على أن رئيس الدولة ليس الجهة المختصة في هذا المجال، معتبرا أن الكلمة الفصل تعود إلى المجلس الأعلى للأمن القومي.
وكانت السلطات الإيرانية فرضت قيودا واسعة النطاق على الإنترنت خلال احتجاجات واسعة النطاق مناهضة للحكومة بلغت ذروتها في أوائل يناير/ كانون الثاني الماضي، وقطعت الخدمة مجددا عند اندلاع الحرب مع أولى الغارات الأمريكية والإسرائيلية.
قبل ذلك، وفي ظل الاعتداءات الإيرانية الأولى على دول عربية، ألقى بزكشيان بخطاب ضمنه اعتذارا صريحا لتلك البلدان، لكن وقبل أن ينهي تصريحاته كانت الصواريخ تنهمر على ذات الوجهات، في تحد سافر من قبل الحرس الثوري للرئيس.
استقالة.. بين النفي والجدل
رغم النفي الرسمي الحاسم، يبدو أن التسريبات حول أنباء استقالة بزشكيان تسلط الضوء على قبضة الحرس الثوري على مفاصل القرار، وتشي بدخول البلاد مرحلة جديدة تتسم بتعاظم دور المؤسسة العسكرية والأمنية.
ولا يستبعد مراقبون تقديم بزشكيان بالفعل لاستقالته وسحبها تحت ضغوط معينة، لكن يظل من الثابت أن دور الرئاسة في إيران يتعرض لتهميش كبير وهو ما أكدته تصريحات الرئيس نفسه حول حصر إدارة البلاد في دوائر ضيقة من المسؤولين.
وإجمالا، فإن الجدل الذي أثارته أنباء الاستقالة -بغض النظر عن صحتها من عدمه- يعكس حقيقة تزايد نفوذ التيار المتشدد داخل النظام الإيراني، ما منح الحرس الثوري دورا أكبر في إدارة الملفات الاستراتيجية والسياسية والأمنية، وبالتالي إجبار المعتدلين على الخروج من دائرة القرار.