زعيم اليسار الفرنسي ورئاسيات 2027.. ترشح يعمق أزمة البدائل ويخلط الأوراق
مع إعلان زعيم اليسار الراديكالي الفرنسي جان-لوك ميلانشون ترشحه للمرة الرابعة في انتخابات الرئاسة 2027، عاد الجدل داخل معسكر اليسار الفرنسي إلى الواجهة، ليس فقط حول فرصه الانتخابية، بل بشأن عمق الأزمة التي تعصف ببنيته السياسية والتنظيمية.
ففي وقت تتسع فيه الانقسامات وتتعثر محاولات إنتاج قيادة بديلة، يبدو هذا الترشح أقرب إلى مؤشر على أزمة بنيوية تضرب اليسار الفرنسي، وتلقي بظلالها على مستقبل الأحزاب التقليدية وديناميكيات المعارضة في البلاد.
أزمة بنيوية
وإلى ذلك، قال أستاذ العلوم السياسية الفرنسي في المركز الوطني للبحث العلمي برونو كوترييه في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن ترشح ميلانشون للمرة الرابعة «ليس مجرد طموح شخصي بقدر ما هو تعبير عن أزمة بنيوية داخل اليسار الفرنسي».
وأوضح كوترييه أن حركة فرنسا الأبية فشلت حتى الآن في إنتاج قيادة بديلة قادرة على توحيد قواعدها الانتخابية، رغم بروز قيادات صغيرة في السن خلال الأعوام الأخيرة.
وأضاف أن ميلانشون «لا يزال الشخصية الوحيدة القادرة على تعبئة القاعدة الشعبية للحركة، خصوصًا في الأحياء الحضرية والطبقات المتوسطة المتضررة».
واعتبر أستاذ العلوم السياسية أن الخطاب «المعادي للنظام» الذي يتبناه ميلونشون ينسجم مع تصاعد حالة عدم الثقة في المؤسسات السياسية الفرنسية، لكنه في الوقت ذاته قد يحدّ من قدرته على توسيع قاعدته الانتخابية.
وحذر كوترييه من أن «الإفراط في الشعبوية قد يؤدي إلى عزلة سياسية»، موضحًا أن الفوز في الانتخابات الرئاسية يتطلب بناء تحالفات أوسع، وهو ما لم ينجح فيه ميلونشون في تجاربه السابقة.
وأشار الباحث الفرنسي إلى أن عامل العمر والخبرة، رغم أهميتهما، قد يتحولان إلى نقطة ضعف في مواجهة جيل سياسي جديد يسعى لتجديد الخطاب والأساليب.
مفارقة
ورأى أن ترشح ميلانشون يعكس مفارقة: «زعيم قوي في حزب يعاني من ضعف مؤسساتي».
وفي خطوة لم تفاجئ الأوساط السياسية رغم سريتها حتى اللحظات الأخيرة، أعلن الزعيم اليساري الشعبوي جون-لوك ميلانشون ترشحه للانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، مؤكدًا تمسكه بخطاب «مناهض للنظام» في وقت تتصاعد فيه التحديات العالمية، بحسب صحيفة «لوموند» الفرنسية.
وأعلن جان-لوك ميلونشون ترشحه للانتخابات الرئاسية للمرة الرابعة، متبنيًا نهجًا يزداد عداءً لما يصفه بـ«النظام القائم».
ورغم بروز عدة شخصيات داخل حركة «فرنسا الأبية»، وتعهداته السابقة بالتنحي بعد انتخابات 2022، أعلن الزعيم الشعبوي ترشحه يوم الأحد خلال نشرة الأخبار المسائية على قناة «تي إف»1 الفرنسية، في ظل القرار طي الكتمان طوال عطلة نهاية الأسبوع، رغم أن الخبر لم يفاجئ أحدًا.
وبعد خوضه سباقات 2012 و2017 و2022، يسعى زعيم «فرنسا الأبية» إلى محاولة رابعة للوصول إلى سدة الحكم، تحت راية الحركة التي أسسها قبل عشر سنوات.
وقال السياسي البالغ من العمر 74 عامًا، والذي ينشط في الحياة السياسية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، وشغل منصب نائب في عهد فرانسوا ميتران ووزيرًا في حكومة ليونيل جوسبان: "أنا مرشح. السياق وحالة الطوارئ هما ما حددا هذا القرار بالنسبة لحركتنا.”
وأضاف موضحًا:“لم يكن النقاش حول من هو أفضل مرشح وفق معايير شكلية أو جمالية، بل كان السؤال: من هو الأكثر استعدادًا لمواجهة المرحلة المقبلة؟".
ودافع عن خبرته في مواجهة التحديات الجديدة، قائلاً: «نحن ندخل مرحلة شديدة الاضطراب في تاريخ العالم. هناك تهديد بحرب شاملة، وخطر تغيّر مناخي حاد، إلى جانب أزمة اقتصادية واجتماعية تلوح في الأفق».
رسائل سياسية
من جانبه، اعتبر باسكال بيرينو، الأستاذ في معهد الدراسات السياسية بباريس في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن إعلان ميلانشون يحمل «رسالة سياسية واضحة تتجاوز حدود حزبه».
وقال بيرينو إن ميلانشون يسعى إلى «إعادة تشكيل الاستقطاب السياسي في فرنسا حول ثنائية: الشعب مقابل النخبة»، بدل الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار.
وأضاف أن هذا التوجه يتقاطع مع صعود الحركات الشعبوية في أوروبا، لكنه يأخذ في فرنسا طابعًا خاصًا مرتبطًا بتاريخها الاجتماعي والسياسي.
ورأى بيرينو أن توقيت الإعلان يعكس إدراكًا مبكرًا لطبيعة المرحلة المقبلة، حيث تتداخل الأزمات الدولية (الحرب، المناخ، الاقتصاد) مع التوترات الداخلية. ورأى أن ميلانشون يحاول تقديم نفسه كـ«قائد أزمات» قادر على إدارة هذه التحولات الكبرى.
وأشار الباحث الفرنسي إلى أن هذا الرهان محفوف بالمخاطر، إذ إن «الناخب الفرنسي قد يفضل الاستقرار على الخطاب التصادمي في أوقات الأزمات».
واعتبر أن تكرار الترشح قد يؤدي إلى «تآكل الصورة السياسية»، خاصة إذا لم يرافقه تجديد حقيقي في البرنامج أو الفريق المحيط به.
وتابع بيرينو أن ترشح ميلانشون «سيعيد بلا شك تشكيل المشهد الانتخابي، لكنه لا يضمن له الوصول إلى قصر الإليزيه»، معتبرًا أن المعركة المقبلة ستكون «اختبارًا حاسمًا لقدرة اليسار الراديكالي على التحول إلى قوة حكم فعلية، لا مجرد قوة احتجاج».