نظام «الحِمى».. «موروث مناخي عربي» لحماية الموارد المشتركة (حوار)
تتجذر مبادئ الحِمى في التقاليد العربية القديمة بل وقبل الإسلام؛ إذ كانت القبائل في شبه الجزيرة العربية تتبع هذا النهج؛ لحماية المراعي ومصادر المياه ومنع استنزاف موارد القبيلة بصورة عامة.
نهج كان يُتبع في ظل البيئة الصحراوية التي تقل فيها إمدادات المياه بصورة عامة، وعندما كانت القبائل تستدل على حدوث استنزاف للموارد بشكل ما، يعلن شيخ القبيلة أنّ هذا المورد صار مندرجًا تحت "الحِمى"؛ أي يجب ترشيد استخدامها لتصبح مستدامة من خلال عدة إجراءات.
على سبيل المثال، في حال إدراج منطقة مرعى تحت الحِمى؛ فهذا يعني منع الرعي خلال أوقات معينة فيها وتحديد أعداد الحيوانات ومنع قطع الأشجار وفي بعض الأحيان، تتمثل الإجراءات منع استغلال تلك المنطقة تمامًا إلا في الحالات الحرجة القصوى مثل انتشار الجفاف. وكانت هناك رقابة شديدة تتمثل في تكليف بعض أفراد القبيلة لحماية الأراضي المندرجة تحت "الحِمى"، وكانت تُفرض بعض العقوبات والغرامات. وفي حال كانت الموارد مشتركة بين قبيلتين، تتفقا على الحماية المشتركة للأراضي المحمية.
هذا السلوك يُشبه اليوم ما يُسمى الاستدامة؛ فالموارد المحدودة التي تُوشك أن تُستنفذ تحتاج إلى إدارة مستدامة، تعزز بقاءها لتستفيد منها الأجيال القادمة والحفاظ عليها لأطول وقت ممكن ومساعدتها على استعادة عافيتها من جديد.
اليوم، وبعد استنزاف الإنسان للموارد الطبيعية على مستوى العالم، الأمر الذي أدى إلى بزوغ اتفاقيات دولية مشتركة لتعزيز التآزر الدولي لحماية الموارد المشتركة واستعادة النظم البيئية وحل الأزمات البيئية على رأسها أزمة تغير المناخ وفقدان الأنواع البيولوجية والمهاجرة ومكافحة التصحر واستعادة الأراضي الرطبة. ظهرت الحاجة أيضًا إلى تعزيز مبادئ الحِمى التي أدركتها القبائل العربية قديمًا من خلال الفطرة؛ بحكم قُربهم من الطبيعة والشعور بالانتماء إليها، وتتجلى تلك المبادئ أيضًا في تعاليم الدين الإسلامي الذي دعا إلى الحفاظ على الموارد وحمايتها وترشيد الاستهلاك وعدم الإسراف فيها. وتُعد الأشهر ذات القيمة العالية مثل شهر رمضان المبارك فرصة ممتازة لإعادة إحياء مبادئ الحِمى.
وفي هذا الصدد، تواصلت «العين الإخبارية» مع منسّقة الحملات والتّواصل العالمي في مشروع «أمّة لأجل الأرض» نهاد عواد؛ لتوضح لنا كيف يمكن إحياء مبادئ الحِمى بدءًا من شهر رمضان ودعم ذلك تلك المبادئ على مدار العام.
إليكم نص الحوار..
1- هل يمكنكم إعطاءنا نبذة عن تعريف الحِمى من وجهة نظركم؟
حسنًا، إنّ الحمى عبارة عن منظومة واسعة وشاملة، تتقاطع فيها الأبعاد البيئية والاجتماعية والثقافية، وتشكل إطارًا عمليًا لحماية الموارد وتعزيز الوعي وبناء مجتمعات أكثر انسجامًا مع بيئتها.
ويُعد الحِمى أيضًا منظومة عريقة يعود تاريخها إلى قرونٍ مضت، وتشير إلى المساحات المحميّة التي تُديرها المجتمعات المحليّة عبر منهجية فعّالة يمكن تكييفها وفقًا للواقع المحلّي. تاريخيًا، أُنشئت أنظمة الحِمى لحماية مناطق الرّعي والغابات ومصادر المياه وغيرها، حيث كانت المجتمعات تنظّمها بناءً على المعارف المتراكمة، ما ضمن تحقيق التّوازن بين جودة حياة الإنسان والحفاظ على الطّبيعة، وهو توازن تفتقر إليه المجتمعات الحديثة حاضرًا.
2- ما الحافز الذي يدفع الناس إلى تبني مبادئ الحِمى خلال شهر رمضان؟
حسنًا، خلال شهر رمضان، يختار عدد كبير من المؤمنين أن يمارسوا عبادتهم من خلال الصّوم وأيضًا عبر تبنّي سلوكيات فرديّة صديقة للبيئة مثل الاستهلاك الواعي والحدّ من هدر الطّعام وترشيد استعمال المياه وتجنّب البلاستيك أحادي الاستخدام، معبّرين عن التزامهم الفردي بالخلافة البيئيّة.
3- كيف يمكن الاستمرار في هذه العادات المستدامة وتكرارها بعد انتهاء شهر رمضان؟
من أبرز المقاربات التي تمكّننا من الاستمرار في السلوكيات المستدامة بعد شهر رمضان، وتوسيعها لتصبح أكثر حضورًا على المستوى المجتمعي، هي منظومة الحمى. هذا العام، يعمل تحالف أمّة لأجل الأرض على تسليط الضوء على الحمى، بوصفها أحد أهم الحلول البيئيّة النابعة من صميم المجتمعات المحلية، والمتوافقة مع مبادئ الخلافة والتوازن والحكمة. كما تمثّل امتدادًا طبيعيًا واستمراريةً للممارسات المستدامة التي يحرص الأفراد على اتباعها خلال شهر رمضان.
4- وما خططكم القادمة لدعم إحياء مبادئ الحِمى؟
بدأ تحالف أمّة لأجل الأرض هذا العام، خلال شهر رمضان، العمل على إيصال مفهوم الحِمى إلى الجمهور، لا سيّما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وذلك من خلال حملة رقميّة توعوية. كما سعى إلى قياس مدى إلمام الجمهور بهذا المفهوم عبر استبيان تمّت مشاركته خلال الشهر الفضيل.
ونأمل، من خلال مسار يمتد على مدار هذا العام، أن نُسهم في إعادة إحياء مفهوم الحِمى وتعزيزه تدريجيًا، بما يعيد له مكانته كأحد الحلول المجتمعية الفعّالة في حماية البيئة وإدارتها بشكل مستدام.