سياسة

قطر تزيد من عويلها ولا يزال جهلها مستمرا!

الجمعة 2017.9.22 10:34 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 372قراءة
  • 0 تعليق
د. سعود العماري

قبل أيام، نشر الصحفي روبرت فيسك، مادة خبرية تقريرية هجومية في صحيفة "الإندبندنت" البريطانية، التي تصفه بأنه مراسلها لشؤون الشرق الأوسط! قائلا فيها: إن ما كتبه في هذا التقرير كان يتمحور حول خبر نشره هو، عن توجّه 3 قطريين إلى رفع قضايا في بريطانيا، على مسؤولين من دولة الإمارات العربية المتحدة، يزعمون أنّهم قبضوا عليهم وعذبوهم وسجنوهم دون سبب قانوني، وحصلوا منهم على اعترافات بهذه الوسائل.

ولن أُهدر أي جزء يذكر من مقالتي هذه للحديث عن روبرت فيسك، أو عن مقالته، فروبرت فيسك، كما هو متداول، ضد الحكومة البريطانية، ومعروف ما في نفسه من تعاطف غير عقلاني مع متطرفي الشيعة؛ دولا كانت أم منظمات، وعن عدائه الطويل المستحكم الذي لا يتوانى في التعبير عنه، تصريحا وتلميحا لدول بعينها منها، بل ربما في مقدمتها المملكة العربية السعودية.

ولا يمكنني، ما حييت، أنْ أنسى ذلك المقال السقيم، الذي كتبهُ ونشرتْه "الإندبندنت"، ووجّه فيه هجوما مبنيا على أوهام وأكاذيبَ، ضد المملكة العربية السعودية والراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز، رحمه الله، عشية قيامه بأول زيارة رسمية له إلى المملكة المتحدة في عام 2007!

"أُذكّر الإخوة في القيادة القطرية، بأن حل أزمتهم مع أشقائهم لا يوجد في المحاكم البريطانية، ولا في أروقة منظمة التجارة العالمية، أو المنظمة الدولية للطيران المدني أو غيرها، وإنما هو موجود، وفي انتظار ثوابهم إلى رشدهم، في ديار إخوانهم هنا في الخليج، وتحديدا في الرياض"

كما لا يمكنني أن أنسى أنه نشر في عام 2011 وفي صحيفة "الإندبندنت" أيضا خبرا مكذوبا، يخص السعودية، دعم خبره الكاذب بصورة وثيقة مزورة، نعرف تماما كيف؟، ومن أين حصل عليها؟، وزعم أنها بتوقيع وزير الداخلية آنذاك، الأمير نايف بن عبد العزيز رحمه الله. وبناء على التوجيهات السامية بعدم ترك مثل هذه الادعاءات والأكاذيب تمرّ دون محاسبة، فقد رفع الأمير الراحل عليه وعلى الصحيفة دعوى قضائية وكسبها دون إبطاء، وذلك بسبب كذب المدعى عليه واستخدامه مستندا مزورا، وحُكمَ عليه بدفع تعويض للأمير نايف، رحمه الله، وتعويض عن مصاريف المحاماة، قدمهما، رحمه الله، بالكامل كتبرع منه لجمعيات خيرية، كما أن الصحيفة اضطرت إلى نشر اعتذار أقرّت فيه بأن الوثيقة التي استخدمت كانت مزورة!!

على أي حال، ليس فيسك هو موضوع مقالتي، ولكنني اضطررت إلى الحديث عنه ليعرف القارئ الكريم أنه إذا كان هذا النوع من الكُتّاب والإعلاميين هم من تلجأ إليهم القيادة القطرية لتسريب أخبار شكاواها، أو تهديدها بتقديم الشكاوى، فللقارئ الكريم أن يحكم على مستوى عقلية هذه القيادة ومدى مصداقيتها!!

وكما ذكرت، في مقالة سابقة لي، حول شكاوى قطر المتكررة والعقيمة، فإنني من منطلق كوني محاميا تمرّست في ساحات القانون الدولي والمحاكم الدولية، وشهدت قضايا مطابقة لهذه في محتواها، سأتطرق إلى هذا الخبر، من وجهة نظر القانون الدولي.

فموضوع الشكوى التي انطوى عليها ما كتبه روبرت فيسك، إنْ صدقت، يدل دلالة لا جدال فيها على الجهل الذي تعاني منه القيادة القطرية ومُستشاروها بقواعد القانون الدولي عموما، والقوانين المُرتبطة بالحصانة السيادية والحصانة الدبلوماسية. وهنا، لن أتحدث عن مُدّعين قطريين أو عن مُدعى عليهم إماراتيين، وإنما سأتحدث عن الموضوع من منظورٍ عام، يُمكن للقارئ الكريم أن يُسقطه على أي مُدّعٍ وأي مُدعى عليه، متى ما انطبقت الشروط والظروف.

خلاصة الشكوى المزعومة هي أن مواطنين من دولة ما، يدّعون أمام القضاء في دولة أُخرى، أن مسؤولين من دولة ثالثة قاموا بالاعتداء عليهم في أراضي هذه الدولة الثالثة!!

وهنا، لابد أن نُبيّن ما يلي:

يُعد مبدأ الحصانة السيادية من أهم المبادئ الراسخة في القانون الدولي، وهو يتسم بالحساسية الشديدة؛ نظرا لارتباطه الوثيق بمسائل تمسّ سيادة الدول ورجالاتها ومسؤوليها، مع اعتبارات مرتبطة بالقانون الداخلي والقانون الدولي على حد سواء.

ويُعرّف مبدأ الحصانة السيادية بأنه؛ عدم خضوع دولة ما، بغير إرادتها، لقضاء دولة أخرى. فلا يجوز لدولة ذات سيادة أن تفرض سلطتها القضائية على دولة أخرى ذات سيادة، نظرا لأنه لا توجد دولة تملك الحق قضائيا وقانونيا في الحكم على أفعال دولة أخرى. وتتأسس الحصانة السيادية، وفقا لأحكام القانون الدولي، استنادا إلى أفكار السيادة التامة، والاستقلال، والمساواة القانونية بين الدول.

والحصانة السيادية، إذن، امتيازٌ ممنوحٌ للدولة وممثليها، وفقا للمبادئ الدولية والقوانين الوطنية في هذا الخصوص، بغرض المحافظة على سيادتها واستقلالها إزاء الدول الأخرى. ولهذا تمتنع محاكم أي دولة عن ممارسة الولاية القضائية في أي دعوى مقامة أمام محاكمها ضد دولة أخرى. وتضمن الدول، لتحقيق هذه الغاية، أن تقرر محاكمها، من تلقاء نفسها، احترام حصانة الدول الأخرى. وهكذا فإن الحصانة السيادية قيدٌ أو استثناءٌ تنص عليه، دائما، أحكام القانون الدولي والقوانين الوطنية، وبموجبه تخرج الدول الأجنبية ذات السيادة عن اختصاص ولاية محاكم الدولة.

وتشمل الحصانة السيادية للدولة جميع الأعمال التي تقوم بها الدولة من طريق ممثليها، وقد نصت على هذه الحصانة، المادة الخامسة من اتفاقية الأمم المتحدة لحصانات الدول وممتلكاتها من الولاية القضائية، حيث جاء فيها ما يلي: "تتمتع الدولة، فيما يتعلق بنفسها وممتلكاتها، بالحصانة من ولاية محاكم دولة أخرى، رهنا بأحكام هذه الاتفاقية".

ولا تقتصر الحصانة السيادية على الدول فقط، بل تنطبق، بالقدر نفسه، على قادة الدول وممثليها ووكلائها ومسؤوليها. فلا يجوز لمحاكم دولة ما مقاضاة حاكم أجنبي، عن طريق وسائل التقاضي المتبعة فيها؛ لأنه يمثل دولته ويعمل ويتصرف باسمها، ومن البديهي أن تمتد إليه الحصانة احتراما لسيادة دولته واستقلالها، وتمكينا له من أداء المهام المسندة إليه على الوجه الأمثل، والأمر ذاته ينطبق على مسؤولي الدولة وممثليها الذين يتصرفون نيابة عن دولهم.

هذا بشكلٍ عام، أما فيما يتعلق بالقضاء الإنجليزي تحديدا، فإننا إذا نظرنا لقانون الحصانة الإنجليزي، الصادر عام 1978، سنجد أن المادة الأولى منه تنص على ما يلي: "تتمتع الدولة بالحصانة ضد الولاية القضائية لمحاكم المملكة المتحدة، باستثناء ما نُصّ عليه في الأحكام التالية من هذا الجزء في هذا القانون". ويُفهم من هذا أن التشريع الإنجليزي اتجه نحو الإقرار بحصانة الدول، بحيث إنه لا تجوز مقاضاة الدول ذات السيادة أمام المحاكم الإنجليزية.

ورُغم أن الأمثلة الفعلية كثيرة جدا، إلا أنني، شخصيا، خبرت قضية سبق للقضاء الإنجليزي أن نظرها، وهي تكاد تكون مُطابقة للشكوى والمزاعم التي أشار فيسك إلى أن القطريين سيقدمونها أمام القضاء الإنجليزي.

في تلك القضية، أصدر مجلس اللوردات البريطاني، وهو أعلى سلطة قضائية في إنجلترا، إذ إنه يتمتع بصلاحيات المحكمة العليا هناك، في عام 2006، حكما بالإجماع برفض دعاوى المدعين المقامة ضد الدولة المُدعى عليها ومسؤوليها، استنادا إلى مبدأ الحصانة السيادية، التي تحمي الدول الأجنبية ومسؤوليها من الخضوع لولاية القضاء الإنجليزي بصفته قضاءً أجنبيا عنها.

كما أعلن مجلس اللوردات أنه لا يمكن لدولة أن تتصرف إلا من خلال تصرفات مسؤوليها ووكلائها، فتصرفاتهم هي تصرفات الدولة، وحصانة الدولة، فيما يتعلق بهم، أمر أساسٌ بالنسبة لمبدأ الحصانة.

وقد استند مجلس اللوردات، كذلك، إلى أن كلمة "دولة"، الواردة في اتفاقية الأمم المتحدة لحصانات الدول وممتلكاتها من الولاية القضائية، والتي تسري بحقها حصانة الدولة وممتلكاتها من الخضوع لولاية محاكم دولة أخرى، تشمل ممثلي الدولة الذين يعملون بتلك الصفة.

وأكد مجلس اللوردات وجود كثير من السوابق القضائية التي تُبين أن الدولة الأجنبية تتمتع بالحق في طلب الحصانة لموظفيها، كما لو كانت ستطلبها لنفسها لو كانت هي المُدعى عليها. وعلى ذلك فقد رأى المجلس أنه لا يمكن التحايل على حق الدولة الأجنبية في الحصانة بمقاضاة مسؤوليها أو وكلائها، كما لا يجوز التمييز بين الدعوى ضد الدولة والدعوى ضد الأفراد المُدعى عليهم؛ لأن تصرفاتهم تعزى، تبعا لذلك، لبلادهم، وحيثما تنطبق حصانة الدولة لا تكون للمحكمة الوطنية ولاية قضائية يمكنها ممارستها.

ونتيجة لذلك، قرر المجلس أنه لا يمكن الادعاء على أي من مسؤولي الدولة المُدعى عليها بالحق المدني؛ لأن أعمالهم، إذا صح وجودها أصلا، هي أعمال ذات صبغة رسمية، وأي عمل ذي صبغة رسمية لمسؤول في حكومة أجنبية لا يمكن تقديمه للمقاضاة، بناء على الحق المدني في محاكم المملكة المتحدة.

ومن الجدير بالذكر أن المُدعين، في تلك القضية، لم يتوقفوا عند هذا الحد؛ بل رفعوا الأمر إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي أيدت، بأغلبية ساحقة في يناير/كانون الثاني من عام 2014، حكم مجلس اللوردات البريطاني، بتمتع الدولة المُدعى عليها ومسؤوليها بالحصانة السيادية، وأصبحت تلك القضية سابقة قضائية يُستند إليها في قضايا مشابهة لأي دولة ذات سيادة.

وقد جاء حكم مجلس اللوردات البريطاني وحكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في تلك القضية، ليؤكدا، أمام الدول والمحاكم، أن القانون الدولي سيبقى ويظل هو القانون السائد في علاقات وتعاملات الدول ذات السيادة بعضها مع بعض.

وهنا، أتوقف لأختم مقالتي بتذكير الإخوة في القيادة القطرية، أصلحهم الله، بأن حل أزمتهم مع أشقائهم لا يوجد في المحاكم البريطانية، ولا في أروقة منظمة التجارة العالمية، أو المنظمة الدولية للطيران المدني أو غيرها، وإنما هو موجود، وفي انتظار ثوابهم إلى رشدهم، في ديار إخوانهم هنا في الخليج، وتحديدا في الرياض، ولو أنهم بذلوا في إصلاح حالهم، وقبول مطالب أشقائهم المشروعة، جهدا يُماثل الجهد الذي أهدروه في أروقة هذه المؤسسات، مع احترامنا لها، لكان هذا خيرا لهم، ولكان فيه صالح الجميع، ولكن يبدو، مع الأسف والحزن الشديدين، أن الأمر وصل إلى قول الشاعر:

لقد أسمعت لو ناديت حيا

ولكن لا حياة لمن تنادي

ولو نارٌ نفخت بها أضاءت

ولكنْ أنت تنفُخُ في رمادِ


نقلا عن "الشرق الأوسط"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات