فرنسا.. تقرير صادم يكشف خللاً خطيراً في جودة الرعاية الصحية
في تحذير لافت يسلط الضوء على أزمة عميقة داخل النظام الصحي الفرنسي، كشف تقرير صادر عن محكمة الحسابات الفرنسية أن ما يعرف بـ"ضعف جودة الرعاية الصحية" أصبح يمثل تحدياً كبيراً.
وأفاد تقرير حديث صادر عن محكمة الحسابات الفرنسية أن عدد الوفيات الناتجة عن العدوى المكتسبة داخل المستشفيات في فرنسا يفوق عدد الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق، ما يسلط الضوء على حجم المشكلة داخل المنظومة الصحية، بحسب شبكة "سي نيوز" الفرنسية.
وبحسب التقرير الذي نشر يوم الاثنين، فإن نحو 13 مليون مريض يتلقون العلاج سنوياً داخل 2,965 مؤسسة صحية في فرنسا، تشمل 330 مستشفى عاماً، و978 مؤسسة خاصة، و657 مؤسسة خاصة غير ربحية.
وحذر التقرير من أن ما يعرف بـ"ضعف جودة الرعاية" يمثل "تحدياً رئيسياً"، حيث قرت محكمة الحسابات، بالاعتماد على بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ، أن تكلفة الأضرار القابلة للتجنب، مثل إعادة إدخال المرضى إلى المستشفى بعد علاجات فاشلة والتعويضات، تتجاوز 11 مليار يورو، في حين تصل تكلفة العلاجات غير الضرورية أو ذات القيمة المنخفضة إلى نحو 22 مليار يورو.

أخطاء طبية غير مبلغ عنها على نطاق واسع
الأخطر من ذلك، بحسب التقرير، أن أكثر من ثلث الأخطاء الطبية أو العدوى أو الوفيات التي تحدث بعد العمليات الجراحية كان يمكن تجنبها. كما يشير التقرير إلى وجود فجوة كبيرة بين عدد الحوادث المبلغ عنها فعلياً والحوادث الحقيقية.
ففي عام 2024، لم يتم تسجيل سوى حوالي 7 آلاف حالة، بينما تشير التقديرات إلى أن العدد الحقيقي للأحداث الضارة الخطيرة أعلى بـ20 إلى 50 مرة.
وتشمل هذه الحوادث أخطاء خطيرة مثل نسيان أدوات جراحية داخل الجسم، أو إعطاء أدوية بشكل خاطئ، أو الإصابة بعدوى مكتسبة داخل المستشفى. وتؤدي هذه العدوى وحدها إلى نحو 4 آلاف وفاة سنوياً، إضافة إلى كلفة مالية تتراوح بين 2.2 و5.2 مليار يورو.
وبشكل عام، تقدر كلفة هذه الاختلالات في الرعاية الصحية بنحو 11 مليار يورو سنوياً.
توصيات صارمة وإصلاحات مطلوبة
ودعت محكمة الحسابات إلى ضرورة تطبيق القانون بصرامة، خصوصاً أن الإبلاغ عن الأحداث الطبية الخطيرة إلزامي، مقترحة فرض عقوبات مالية على المؤسسات الصحية التي لا تلتزم بذلك بدءاً من العام المقبل.
كما أوصت بضرورة تعزيز تدريب الأطباء على سلامة الرعاية الصحية خلال دراستهم، وإنشاء قائمة وطنية بالأدوية الخطيرة لتنظيم استخدامها داخل المستشفيات.
مراجعة معايير المستشفيات
وانتقد التقرير أيضاً معايير تقييم جودة المستشفيات، موضحاً أنها تركز بشكل مفرط على الإجراءات الداخلية، بينما لا يُقاس سوى 10% من النتائج الفعلية على صحة المرضى.
كما دعا إلى تطوير مؤشرات جديدة تشمل نتائج واقعية مثل حدوث تعفن الدم بعد العمليات أو المضاعفات بعد الولادة، إلى جانب إدراج تقييم تجربة المريض وجودة حياته بعد العلاج.
وفي سياق متصل، أثار التقرير مسألة الحد الأدنى لعدد العمليات الجراحية في بعض التخصصات، حيث تختلف المعايير بين فرنسا ودول أوروبية أخرى. فعلى سبيل المثال، يكفي إجراء 70 عملية سنوياً لجراحة سرطان الثدي في فرنسا، بينما يصل الحد في بعض الدول الأوروبية إلى 150 عملية لضمان خبرة أكبر للفرق الطبية.
كما أشار التقرير إلى أن نحو 20 مؤسسة ولادة في فرنسا لا تصل إلى الحد الأدنى المطلوب وهو 300 ولادة سنوياً.
وفي ختام توصياته، دعت محكمة الحسابات إلى اعتماد متابعة جهوية دقيقة لأداء كل مؤسسة صحية، من أجل تقييم مدى ملاءمة هذه المعايير ورفع مستوى جودة الرعاية الصحية.