أسباب انهيار الذهب والفضة.. لعنة «الملك» تصيب المعادن النفيسة
كشف انهيار أسعار المعادن النفيسة مدى سرعة تغير وجهة تركيز التداولات. إذ غيرت تريليونات الدولارات وجهتها مع تعثر الرهانات التي أجمع عليها السوق خلال الأسبوع الماضي.
وتحملت المعادن النفيسة العبء الأكبر من هذه التقلبات، إذ شهد الذهب أسوأ هبوط له منذ عقود، وتكبدت الفضة خسائر قياسية.
والبداية، مع سقوط بورصة وول ستريت في حالة عرفت بالإجماع الاستثماري أو تكدس المستثمرين خلال الأسابيع الماضية. هذه الحالة عكست نتائجها خلال هذا الأسبوع مدى السرعة التي يمكن بها أن تختفي الثقة في توجه استثماري مشترك يجمع عليه المستثمرون.
وبحسب تقرير بلومبرغ، تذبذبت تريليونات الدولارات بوتيرة سريعة مع تعثر المعادن النفيسة التي اعتبرت أكثر الصفقات رواجًا في الفترة الماضية.
وفي عالم وول ستريت، يقصد بـ"تكدس المستثمرين - Investor Crowding"، أنها حالة من تزاحم المستثمرين حول فكرة استثمارية مشتركة أو تزاحمهم على الأصول نفسها في نفس الوقت، حيث يجتمع عدد كبير من المستثمرين على الطريقة نفسها في التداول سواء عبر الشراءً أو البيع، ويكون ذلك غالبًا بدافع التقليد أو الخوف من تفويت الفرصة الاستثمارية السانحة.
وفي حالة التكدس الاستثماري التي عاشتها وول ستريت خلال الأسابيع الماضية، كانت المعادن النفيسة الأكثر تضررًا من هذه الحالة، فقد شهد الذهب أكبر انخفاض له منذ عقود، بينما سجلت الفضة أكبر انخفاض تشهده في تاريخها.
في الوقت نفسه، عانت استراتيجيات الإجماع الاستثماري الأخرى من التذبذب، ومنها على سبيل المثال، الرهانات ضد الدولار، والثقة في أسواق الأسهم خارج الولايات المتحدة، وصفقات الذكاء الاصطناعي الشائعة.
ورغم أن تقلب أسعار المعادن النفيسة كانت الحدث الأبرز هذا الأسبوع، إلا أنها حملت رسالة أكثر شمولا، وهي أنه عندما تترسخ الصفقات وفقًا للعرف السائد أو بدافع التقليد فقط، فإن التحولات الطفيفة يمكن لها أن تُحدث تحركات هائلة.
التكدس الاستثماري كان من المؤشرات المبكرة
وكان التكدس واضحًا قبل انهيار أسعار المعادن النفيسة بفترة طويلة، فقد حدد استطلاع مديري الصناديق الذي أجراه بنك أوف أمريكا في يناير/كانون الثاني الماضي أن شراء الذهب هو أكثر الصفقات رواجًا في الأسواق العالمية.
وبحسب تقرير البنك، كان الطلب شديدًا لدرجة أن سعر المعدن وصل في إحدى المراحل إلى 44% فوق متوسطه طويل الأجل، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 1980.
ويفسر كيث ليرنر، كبير استراتيجيي السوق في شركة Truist Advisory Services، الأمر بقوله، "الإجماع الاستثماري دائمًا صحيح، إلا في الحالات المتطرفة".

ظهور بوادر التراجع
واختبر هذا الأسبوع حدود هذا الإجماع أو التكدس الاستثماري.
حيث سجل مؤشر الدولار يوم الجمعة أكبر مكاسبه اليومية منذ مايو/أيار، موجهاً ضربة قوية للمضاربين الذين أجمعوا على انخفاض الأسعار، بينما شهدت أسهم الأسواق الناشئة أسوأ أداء لها منذ الشهر نفسه مقارنةً بالأسهم الأمريكية.
وبدأت بوادر تراجع أسعار المعادن النفيسة بالظهور صباح الخميس، عندما انخفض سعر الذهب والفضة بأكثر من 7% في غضون 30 دقيقة تقريباً قبل أن يعودا للصعود من جديد.
وبحلول يوم الجمعة زادت وتيرة البيع بعد أن أعلن الرئيس دونالد ترامب عن كيفن وارش الذي رشحه رئيسًا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
هذا القرار لم يكن مفاجئًا، فقد كان وارش المرشح الأبرز ضمن التنبؤات لعدة أيام، لكنه بالإعلان عن اختيار ترامب له رسميا، عزز تحولًا في أسعار المعادن كان قد بدأ بالفعل.
وبعد أن كان يُنظر لوارش لفترة طويلة على أنه متشدد في السياسة النقدية، أصبح مؤخرًا من المؤيدين بشدة لخفض أسعار الفائدة، وأعاد وارش بذلك حالة من عدم اليقين بين المستثمرين فيما يخص مسار الاحتياطي الفيدرالي، مما أثار قلق الأسواق التي كانت تتداول على أساس توجه واضح نحو سياسة نقدية تميل إلى التيسير.
وساهم هذا الغموض في تعزيز انتعاش الدولار وتقويض عمليات التداول التي أدت قبل ذلك إلى انخفاض قيمة العملة وفي نفس الوقت غذّت أسعار المعادن.
في سوق طبيعية، ربما كان هذا المزيج من التذبذب سيؤدي إلى تراجع طفيف في أسعار المعادن، لكن في وول ستريت، حيث كانت المراكز موحدة، فقد كان ذلك كافيًا لإحداث انخفاض حاد في أسعار المعادن النفيسة في يوم واحد، حيث انخفض سعر الذهب بأكثر من 9% وهوت الفضة بنحو 27%.
وصرحت إميلي رولاند، كبيرة استراتيجيي الاستثمار المشاركة في شركة مانوليف جون هانكوك للاستثمارات، بأن "أي شيء يرتفع بشكل حاد عادةً ما ينخفض بشكل حاد أيضاً، ويبدو أن الكثير من ذلك كان مدفوعا بالزخم والتعامل بالعاطفة".

دور المضاربون الصينيون في الهبوط الكبير
وفي تقرير آخر منفصل، كشفت بلومبرغ، عن دور المضاربون الصينيون في التمهيد لهبوط الذهب والفضة.
وقالت الوكالة الإخبارية، إنه عبر تاريخ سوق الفضة، لم تتجاوز أسعار المعدن 40 دولارًا للأونصة إلا لفترات وجيزة حدثت قبل العام الماضي.
وفي يوم الجمعة فقط، عاش المتداولون صدمة انهيار المعدن النفيس بقدر مشابه لما وصلت له معدلات ارتفاع سعره، وذلك في أقل من عشرين ساعة.
وعلى مدى أسابيع، تابع المتداولون في مختلف أنحاء العالم شاشاتهم بشغف، إذ بدت أسعار المعادن المختلفة، من الذهب إلى النحاس والقصدير، وكأنها تعيش حالة من التحرر من قيود العرض والطلب، ودفعها لذلك تدفقات نقدية ساخنة من المضاربين في الصين.
وفي غضون ساعات قليلة، انقلبت هذه الموجة الصعودية إلى واحدة من أشد الانهيارات حدةً في تاريخ أسواق السلع.
وشهد معدن الفضة انخفاض بنسبة 26% يوم الجمعة، وهو هو الانخفاض الأكبر على الإطلاق في تاريخ المعدن النفيس، بينما تراجع الذهب بنسبة 9% في أسوأ يوم له منذ أكثر من عقد.
أيضا، كان متداولو النحاس يعانون بالفعل من صدمة الارتفاع المفاجئ الذي تجاوز 14,500 دولار للطن، والذي لم يلبث أن تعرض للانهيار بنفس السرعة.
وواصلت المعادن النفيسة هذا التراجع مع بداية هذا الأسبوع في آسيا، قبل أن تعوض بعض خسائرها في ظل تقلبات السوق.
وانخفض سعر الذهب الفوري بنسبة تصل إلى 4%، بينما تراجعت الفضة بنحو 12% قبل أن تعود للارتفاع.
ونقلت بلومبرغ عن "دومينيك سبيرزل"، رئيس قسم التداول في شركة هيرايوس للمعادن الثمينة، وهي شركة رائدة في تكرير السبائك، قوله "هذا بالتأكيد هو التذبذب الأعنف الذي شهدته في مسيرتي المهنية، الذهب رمز للاستقرار، لكن مثل هذا التذبذب لا يعكس هذا الاستقرار".
وفي حين كان إعلان دونالد ترامب عن نيته لترشيح كيفن وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، والذي أدى إلى ارتفاع الدولار، السبب الرئيسي لانهيار أسعار المعادن النفيسة يوم الجمعة، في نفس الوقت كان الكثيرون يحذرون من أن أسواق المعادن قد بلغت بالفعل حدا مفرطا من التضخم وأنها مُرشحة للتصحيح بعد أسابيع من ارتفاع متواصل.
ومع ذلك، كان مذهلا للمستثمرين سرعة وحجم الانخفاض الذي عايشته هذه المعادن خاصة الذهب.
وحاليا، يعمل تجار المعادن في أوروبا والولايات المتحدة على مدار الساعة، لغير رغبتهم في تفويت يوم التداول الآسيوي الذي شهد العديد من التحركات الحادة، حتى أنهم تداولوا بشكل مندفع أثناء رحلاتهم الجوية الطويلة.
كما يتساءل بعض المستثمرين الذين استفادوا من موجة صعود الذهب عما إذا كان هذا التراجع يمثل إنذارا مبكرا أم مجرد توقف مؤقت. وقال جيف مولينكامب، الذي استفاد صندوقه البالغة قيمته 270 مليون دولار من الصعود، إن هذا الهبوط يضفي مزيدا من التعقيد على قرارات التخارج، لأن البيع المبكر قد يحمل مخاطرة تفويت فرصة تحقيق المزيد من المكاسب، وذلك في تعليقه لبلومبرغ.