بنكهة الورد وطعم السمك.. مشروب ثوري يرافق رواد الفضاء إلى المريخ
لا شك أن الفضاء الخارجي مكان مذهل ومثير، ولكن عندما يتعلق الأمر بقائمة الطعام المتاحة هناك، فإن الوضع ليس كذلك تماماً.
ورغم أن الوجبات الكونية قطعت شوطاً طويلاً منذ ستينيات القرن الماضي، حين كان رواد الفضاء يمتصون معجون اللحم البقري والكبد من الأنابيب، إلا أن الخيارات المتاحة على القائمة الفضائية لا تزال محدودة ومملة.

ومع استعداد رواد الفضاء لقضاء فترات أطول في بيئة انعدام الجاذبية بالقمر والمريخ، لا سيما بعد مهمة "أرتيميس 2" الأخيرة، تبرز حاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لابتكار خيارات غذائية متنوعة طويلة الصلاحية تكسر رتابة النظام الغذائي اليومي.
وفي هذا السياق، نجح فريق بحثي من جامعة أديلايد الأسترالية في تقديم حل جزئي لهذه المعضلة عبر دراسة حديثة نُشرت في دورية " إيه سي إس فود ساينس آند تكنولوجي"، تتمثل في تطوير مشروب مدعم وقابل للتخصيص مصنع بتقنية مستحلبات النانو.
مواجهة "فقدان الشهية الفضائي"
كان الدافع وراء هذا العمل هو أن العديد من رواد الفضاء يصابون بسأم شديد من قائمة طعامهم الدورية التي تتكون من أطعمة هلامية ولزجة تفتقر إلى النكهة القوية. هذه الرتابة القاتلة تدفع بعضهم إلى الإخفاق في تناول السعرات الحرارية اليومية المطلوبة، وهو ما يسميه الباحثون بـ "فقدان الشهية الفضائي".
وعدم الحصول على التغذية السليمة يشكل خطراً مضاعفاً في الفضاء، حيث تتسبب بيئة الجاذبية الصغرى في ضمور العضلات وفقدان الكتلة العظمية، فضلاً عن التعرض لمستويات عالية من الإشعاع الكوني.
ورغم أن وكالات الفضاء تواجه هذه المشاكل حالياً بإلزام الرواد بتمارين رياضية شاقة وعالية المقاومة، إلا أن ذلك وحده لا يكفي، ومن هنا، سعى الكيميائيون وراء المشروب الجديد إلى إيجاد طريقة ذكية لدمج عناصر غذائية حيوية في نظام الرواد لمكافحة هذه الأضرار، واستقر اختيارهم على أحماض أوميغا-3 الدهنية، التي أثبتت الأبحاث السابقة قدرتها على تعزيز الحماية ضد الإشعاع الفضائي وزيادة معدل بناء العظام، وهي عناصر غائبة تماماً عن وجباتهم اليومية المعتادة.
كيف يُصنع المشروب المبتكر؟
لإيصال هذه المغذيات إلى أجسام الرواد، استعان الفريق بمفهوم مألوف على الأرض وهو "المشروبات المدعمة"، وهي ممارسة تعود لعشرينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة عندما أُضيف فيتامين " د" للحليب لمكافحة الكساح.
وفي هذه التجربة الفضائية، استخدم الفريق عملية كيميائية متطورة تدمج المكونات القابلة للذوبان في الماء (مثل السكر والأحماض الفاكهية) مع أحماض أوميغا-3 القابلة للذوبان في الزيت، ومزجها معاً لإنتاج مستحلب مستقر تماماً.
وتتميز هذه التقنية بإمكانية تطبيقها على الأرض وفي ظروف انعدام الجاذبية على حد سواء، مما يعني أن رواد الفضاء يمكنهم تركيب واختيار المشروب الذي يرغبون فيه في أي لحظة وبناءً على شهيتهم المباشرة.
وبعد تجارب متعددة على السكريات والدهون والنكهات، استقر الباحثون على ست وصفات مختلفة للمشروب، تأتي في عبوة تعادل حجم علبة المياه الغازية القياسية (11 أونصة سائلة)، وتوفر الحصة الواحدة منها ما يصل إلى ثلث الاحتياج اليومي الموصى به من أوميغا-3.
وتتنوع الخيارات كالتالي: ( مستويان من الحلاوة: متوسطة أو عالية)، ثلاثة بروفايلات للنكهات العطرية: نكهة الورد، زهر البرتقال، ونكهة الحمضيات الزهرية).

العقبة الوحيدة ومستقبل الرحلات الطويلة
العقبة الوحيدة التي تواجه هذا الابتكار حالياً هي أن النسخة الحالية تأتي بقوام يشبه المياه الغازية الخالية من الصودا، وتترك خلفها مذاقاً حلوًا يمتزج بمسحة "سمكية" خفيفة ناتجة عن زيت الأوميغا-3، وهو ما قد لا يروق لجميع الأذواق.
ومع ذلك، يرى الخبراء أنه بعد قضاء نحو ثلاث سنوات في رحلة متجهة إلى المريخ، فإن أي طريقة لكسر رتابة الطعام، حتى لو كانت بنكهة السمك، ستكون لها ميزة إيجابية كبيرة.
ويقول فولكر هيسل، الباحث المشارك في الدراسة إن "المشروب لا يزال غير جاهز تماماً للانطلاق في المهمات الفضائية الحالية، إذ نتطلع لإجراء المزيد من الاختبارات لتحسين المذاق، ومعرفة كيف يمكن لظروف الطيران الطويل في الفضاء العميق أن تؤثر على الصلاحية والجودة الفيزيائية للمشروب".
ويضيف أن " هذه المشروبات المدعمة لا تقدم كعلاج سحري خارق، بل هي مجرد قطعة صغيرة واحدة في الأحجية الكبيرة لاستكشاف الإنسان للفضاء الخارجي".