من الحصار إلى الاحتواء.. روبيو يعيد رسم سياسة واشنطن إزاء كوبا
في ظل معاناة كوبا من شلل اقتصادي تحت وطأة الحصار الأمريكي، قد يعيد وزير الخارجية ماركو روبيو النظر في مساعيه لتغيير النظام في هافانا.
وكشفت عدة تقارير عن إصدار الإدارة الأمريكية تراخيص لشحنات النفط إلى القطاع الخاص في كوبا فضلا عن إجراء "محادثات" غير رسمية غير مؤكدة مع أصحاب النفوذ في هافانا وهو ما يشير إلى أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد يتبع استراتيجية طويلة الأمد تبقي الحكومة الحالية في السلطة مع سعيه إلى تعزيز نفوذه على التوجه الاقتصادي للبلاد.
بمعنى آخر قد يلجأ روبيو في النهاية إلى تسوية مع الحكومة الكوبية على غرار ما حدث في فنزويلا وهو ما يعرقل أو على الأقل يؤجل أحد أهدافه الرئيسية خلال العشرين عاما الماضية وهو إسقاط النظام الكوبي وذلك وفقا لما ذكره موقع "ريسبونسيبل ستايت كرافت" الذي أشار إلى طموحات روبيو الرئاسية والقيود التي يواجهها بصفته المسؤول الأول عن تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية.
وقال ويليام ليوجراند، الخبير في الشؤون الكوبية بالجامعة الأمريكية والباحث غير المقيم في معهد كوينسي، الشهر الماضي، إن روبيو، شاء أم أبى، قد يضطر إلى الموافقة على خطط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي تتمثل في التوصل إلى اتفاق مع هافانا.
ومثلما حدث في فنزويلا، تشير مصادر إلى أن ترامب يفضل عدم السعي إلى تغيير شامل للنظام الكوبي، نظرًا للذكريات الكارثية لحملة اجتثاث حزب البعث عقب غزو العراق عام 2003.
وإذا ترشح روبيو للرئاسة في 2028، فإن حاجته للفوز بأول انتخابات وطنية له وليس فقط في ولاية فلوريدا قد تجعل دوره المحتمل في انهيار كوبا عبئًا لا ميزة.
وربما يكون هذا السبب وراء إجابة روبيو الحذرة في جلسة استماع بمجلس الشيوخ مؤخرًا عندما سئل عن سياسة كوبا حيث قال "أعتقد أننا نرغب في رؤية النظام هناك يتغير.. هذا لا يعني أننا سنجري تغييرًا، لكننا نتمنى أن نرى تغييرًا".
وفي الوقت نفسه لم يؤيد روبيو المطالبات بتوجيه الاتهام إلى الزعيم الكوبي راؤول كاسترو بشأن حادثة تعود إلى ثلاثين عامًا كما أنه لم ؤيد المطالبات بإلغاء جميع التراخيص تقريبًا للشركات الأمريكية العاملة في الجزيرة.
والأسبوع الماضي، قال روبيو لوكالة "بلومبيرغ" إن الإصلاحات الاقتصادية للحكومة الكوبية "وليس الحرية السياسية فحسب" قد توفر سبيلًا لرفع الحصار النفطي الأمريكي وتحسين العلاقات الثنائية.
وكان "ريسبونسيبل ستايت كرافت" قد أشار سابقا إلى أن المسؤولين في هافانا أبدوا انفتاحا على اتفاق تواصل بموجبه الحكومة الكوبية إصلاحاتها الاقتصادية مع احتفاظها بالسلطة إلى حد كبير مثلما حدث في فنزويلا.
ومن المرجح أن تكون هذه التسوية أقل فوضوية من الانهيار الفوري للنظام الكوبي ومن انقلاب شعبي، وأيضا من عمل عسكري أمريكي.
وقال جو غارسيا، عضو الكونغرس السابق عن ولاية فلوريدا والذي سبق له محاولة التوسط بين واشنطن وهافانا إن هذا النهج سيكون "المسار الأكثر منطقية وحكمة وإنسانية".
ونشرت مجلة "الإيكونوميست" الأسبوع الماضي تقريرًا يفيد بأنه في حال استمرار الحصار النفطي الذي تفرضه الإدارة الأمريكية على كوبا فقد يصبح روبيو واجهة لأزمة إنسانية مفتعلة قد تؤدي إلى موجة أخرى من اللاجئين الذين يصلون إلى شواطئ فلوريدا خلال عام انتخابي حاسم.
ونقلت الإيكونوميست عن عدة مصادر قولها إن المخاوف من تدفق اللاجئين دفعت واشنطن لدراسة تزويد كوبا بكميات صغيرة من غاز الطهي ووقود الديزل لدعم البنية التحتية للمياه.
ولتجنب الانهيار التام وزعزعة استقرار الجزيرة بأكملها تم منح بعض الشركات الخاصة في كوبا تراخيص أمريكية لاستيراد الوقود لتشغيلها فيما سمح وزير التجارة الخارجية الكوبي بهذه الواردات في وقت سابق من الشهر الجاري.
كما كشف موقع "أكسيوس" الأمريكي أن روبيو أجرى محادثات مع راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، حفيد الرئيس الكوبي السابق والجنرال راؤول كاسترو، وحارسه الشخصي، والقائم على رعايته.
ووفقا لأكسيوس، فإن مستشاري ترامب يعتبرون حفيد كاسترو "الشخصية الأهم في الجزيرة التي يجب استمالتها" في ظل سعي الإدارة الأمريكية لإيجاد "ديلسي رودريغيز جديد في كوبا" في إشارة إلى رئيسة فنزويلا بالوكالة.
ومع ذلك، نقلت صحيفتا "نيويورك تايمز" و"ميامي هيرالد" الأمريكيتان عن مصادر أمريكية وكوبية قولهما إنه لا توجد مفاوضات جوهرية حاليًا بين الحكومتين.
ربما لا يكون روبيو بصدد إجراء محادثات مع الحكومة، لكن كل المؤشرات تدل على أنه يتحدث مع شخصيات مقربة منها، بمن فيهم النخبة العسكرية والاقتصادية في هافانا.
وفي حين يرغب روبيو بلا شك في التخلص من النظام الحالي، فإن الظروف الراهنة، وطموحاته السياسية، والضغط لإبرام اتفاق، قد تجعل التوصل إلى تسوية على غرار ما حدث في فنزويلا أكثر ترجيحًا في الوقت الحالي بدلا من إسقاط النظام وما قد يترتب عليه من عواقب وخيمة سيتحمل روبيو مسؤوليتها.