روسيا تختبر «الناتو».. نارفا الإستونية على خط الصدام المحتمل
وسط مؤشرات على أن الكرملين قد يختبر خطوط دفاع الناتو خارج أوكرانيا، يراقب خبراء أوروبا التطورات عن كثب، معتبرين أن موسكو «قد تستغل أي تراجع في التوترات لإعادة ترتيب أوراقها».
وتبرز نارفا، المدينة الإستونية الحدودية ذات الأغلبية الروسية، كنقطة حساسة قد تختبر تماسك الناتو والمجتمع الدولي أمام تحركات موسكو.
هدف موسكو الجديد؟
وقال خبراء لصحيفة «ذا صن» إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرى عام 2026 لحظته الحاسمة، محذرين من أنه قد يوقف القتال مؤقتًا لإعادة تنظيم صفوفه ثم يعاود الهجوم.
وبحسب الصحيفة البريطانية، فإن بوتين يضع نصب عينيه تحقيق نصر جديد، وسط مخاوف متزايدة من أن تحركه المقبل قد يتجاوز حدود أوكرانيا بكثير.
ويحذر محللون من أن سيد الكرملين يعتقد أن الظروف باتت مهيأة هذا العام لـ«تصعيد جريء، يهدف إلى بث الرعب في حلف شمال الأطلسي، وشق الصف الغربي، وترسيخ إرثه السياسي».
وقال الدبلوماسي السابق تيم ويلسي، من كلية كينغز كوليدج في لندن، إن عناصر المشهد تتجمع لصالح الكرملين في وقت تكافح فيه أوكرانيا للصمود، بينما تسعى أوروبا لتأمين التمويل والقوات والوحدة، مضيفًا: «أتوقع أن يكون عام 2026 عامًا جيدًا لفلاديمير بوتين».
وحذّر ويلسي من أن بوتين لم يحظ بزخم مماثل منذ سنوات، وهو يعرف جيدًا كيف يحول اللحظة إلى إرث دائم.
خطة بوتين لما بعد الحرب
يتوقع ويلسي أن يسوق بوتين أي تسوية على أنها انتصار، مضيفًا: «هناك فرصة حقيقية لأن يحصل بوتين على صفقة مواتية له، وسيبشر بها داخليًا بوصفها نصرًا».
ويكمن جوهر القلق في أن تؤدي صفقة توقف القتال دون إنهاء المشروع، إلى منح بوتين مساحة لإعادة ضبط قواته وتسليحها ثم العودة مجددًا.
وإذا خفت صوت السلاح في أوكرانيا، يحذر ويلسي من أن الفصل التالي بعد أن: «وضع جورجيا عمليًا تحت جناحه»، سيكون مولدوفا، التي وصفها بأنها «شديدة الهشاشة».
حتى أوكرانيا نفسها لن تكون بمنأى عن الخطر، إذ يعتقد ويلسي أن بوتين قد «يبدأ بقضم أطراف أوكرانيا لاختبار مدى صلابة الضمانات الموعودة».
نارفا.. نقطة الاشتعال المحتملة
يشير ويلسي إلى نارفا باعتبارها أخطر بؤرة قد تهز «الناتو» من جذوره؛ نظرًا لأن 80% من سكانها من أصول روسية.
وقال: «هل نصدق حقًا أن الولايات المتحدة ستخوض حربًا من أجل مدينة واحدة في إستونيا؟ لست متأكدًا من ذلك بعد الآن؟».
لماذا نارفا مهمة؟
تحذيرات ويلسي تدعمها تحليلات خبراء «تشاتام هاوس»، الذين يوضحون أن نارفا مكشوفة بشكل خاص أمام الضغوط الروسية، وأن موسكو تنظر إليها منذ زمن كملف لم يُغلق بعد.
تقع نارفا على الحدود الشرقية لإستونيا، يفصلها عن روسيا نهر نارفا، وتقابلها مباشرة مدينة إيفانغورود الروسية.
وكانت المدينتان موحدتين تحت الحكم الروسي قبل أن ينفصلا عقب استقلال إستونيا، لتصبح نارفا أحد أقصى المواقع الشرقية للاتحاد الأوروبي والناتو.
تلعب التركيبة السكانية دورًا محوريًا في المخاطر، إذ يتحدث نحو 97% من سكان نارفا اللغة الروسية، ولدى كثيرين منهم روابط عائلية وثيقة عبر الحدود.
وبعد الاستقلال، صوّتت المدينة ومناطق محيطة بها في استفتاء غير رسمي لصالح الحكم الذاتي، وهو ما اعتبرته تالين غير دستوري، وسط اعتقاد بأن موسكو شجعت الخطوة سرًا.
وتعمقت المخاوف بعد العملية العسكرية الروسي في أوكرانيا، حين صرّح بوتين عام 2022 علنًا بأن نارفا «أرض روسية تاريخيًا» يجب «استعادتها»، ما أثار قلقًا واسعًا في إستونيا وعواصم الناتو.
ورغم أن إستونيا تُعد من أكثر داعمي أوكرانيا عسكريًا قياسًا إلى ناتجها المحلي، فإن الحياة في نارفا أكثر تعقيدًا.
فالعقود الطويلة من الحكم السوفياتي خلّفت روابط ثقافية ولغوية لم تختفِ مع الاستقلال.
من جانبه، قال آلان ميندوزا، من «جمعية هنري جاكسون»، إن كل شيء يتوقف على ما إذا كانت أوكرانيا ستحصل على ضمانات أمنية حقيقية وقابلة للتنفيذ، مضيفًا: «الكثير يعتمد على شكل اتفاق السلام المحتمل».
ويرى ميندوزا أنه في حال وجود ضمانات صارمة مدعومة من واشنطن، قد يتراجع بوتين مؤقتًا، لكن في حال كانت الصفقة ضعيفة، فالتقدير قاتم: «سيواصل بوتين توغلات ساخنة».
رسالة بوتين في 2026: لم أنتهِ بعد
ويبث الكرملين بالفعل نبرة ثقة، ففي كلمته في ديسمبر/كانون الأول الماضي، قال بوتين إن المبادرة الاستراتيجية انتقلت بالكامل إلى القوات الروسية، مؤكدًا أن قواته تتقدم على طول خط التماس.
وفي الوقت الذي يصور فيه كييف كمعرقل للسلام، يقدم نفسه كطرف «مستعد» بشروطه، محملًا أوكرانيا مسؤولية استمرار الحرب.
ويرى محللون أن عام 2026 قد يكون اللحظة التي يحاول فيها بوتين تحويل هذا المسرح السياسي إلى تسوية دائمة، قبل استغلال الهدنة للتحضير للضربة التالية.