في الحروب الحديثة، اليوم الأول يلتهم العناوين، واليوم الثاني يلتهم الدول.
اليوم الأول هو يوم الصدمة، تتحدث فيه الشاشات عن عدد الصواريخ ومساراتها وطبقات الدفاع الجوي وأسماء المنظومات، أما اليوم الثاني فهو يوم السياسة الثقيلة: يوم الأسئلة التي تمشي على الأرض وتطرق أبواب العواصم وتعيد تعريف معنى الأمن القومي وحدود الردع، عبر سؤال واحد يظل عالقا في الهواء: من يحكم إيران بعد هذه الحرب، وبأي عقل، وبأي عقد مع العالم؟
أولا، فإن الهجوم الإيراني السافر على دول الخليج والذي تركز بصورة لافتة على دولة الإمارات كشف الكثير من الحقائق دفعة واحدة، أولها أن الإمارات تمتلك عقلية دولة متفوقة ترى الصراع ضمن إطار شامل، وتتعامل مع التهديد كمنظومة متكاملة تشمل الاستخبارات الدقيقة، والقيادة والسيطرة المحكمة، والتنسيق العملياتي المتكامل، وإدارة الرسائل السياسية بالتوازي مع إدارة النيران.
غير أن البعد الأكثر لفت نظري ونظر العالم أجمع هو أيضا كيف أدارت الدولة لحظة الخطر بأقصى درجات الشفافية والمسؤولية السياسية والإعلامية، مقدمةً إحاطات فورية ومتتابعة للرأي العام، تنقل الوقائع كما هي، بلا تهويل ولا تهوين، وبمستوى عالٍ من الأمانة والوضوح.
هذه الشفافية لم تكن تفصيلا جانبيا، بل كانت جزءا من منظومة الردع نفسها، لأنها قطعت الطريق على الشائعات، وأحبطت محاولات الحرب النفسية، ورسّخت الثقة بين القيادة والمجتمع، وفي موازاة الجاهزية العسكرية، برز مشهد داخلي بالغ الدلالة: وحدة الصف الإماراتي بمختلف مكوناته.
أبناء الإمارات، والمقيمون على أرضها، وضيوفها وزوارها، اصطفوا خلف مؤسسات الدولة بثقة وهدوء ومسؤولية، لم تظهر مظاهر هلع، ولم تُسجَّل ارتباكات مجتمعية، بل تجلّى وعي جمعي يعكس عمق العلاقة بين الدولة ومن يعيش على أرضها. الهجوم الذي كان يُراد له أن يزرع القلق، أنتج نتيجة معاكسة تماما؛ فقد عزّز التماسك الداخلي، وأظهر أن الإمارات ليست مجرد جغرافيا مستهدفة، بل مجتمع متماسك يثق بجيشه وقيادته ومؤسساته، وهذا النوع من التلاحم لا يُصنع في لحظة أزمة، بل هو حصيلة سنوات من بناء عقد اجتماعي قائم على الأمن، والاحترام المتبادل، والإدارة الرشيدة، والوضوح في التواصل.
لكن هناك سؤال يخطر ببالي: ماذا يحدث بعد أن تتوقف الحرب نهائيا بين إسرائيل وامريكا من جهة وبين إيران من جهة أخرى؟ ما الذي يعنيه "وقف النار" حين تكون المشكلة في طبيعة الدولة الإيرانية نفسها: دولة تجمع بين فكرة الثورة الدائمة واحتكار السلاح وامتلاك مشروع خارجي يقوم على الوكلاء؟ هنا يبدأ ما يمكن أن نسميه "اليوم الثاني".
قد تنتهي الحرب بتفاهمات مباشرة أو غير مباشرة بين واشنطن وطهران، أو عبر وساطة دولية تضع حدودا للاشتباك وتعيد ضبط خطوط النار. في هذا السيناريو يبقى النظام قائما، لكنه يخرج مثقلا بإحراج داخلي وخسائر اقتصادية واهتزاز هيبة. عندها يتحول هدفه من "تصدير الثورة" إلى "حماية البقاء"، ويصبح هاجسه الأول إعادة ترميم الردع.
في هذا المسار، ستحاول طهران إعادة إنتاج نموذج "الدولة المحاصرة" التي تعوض محدوديتها العسكرية التقليدية عبر 3 مسارات متداخلة: تكثيف الحرب السيبرانية، إعادة تنشيط الأذرع الإقليمية بصورة أكثر "لامركزية"، ورفع منسوب الابتزاز النووي، قد يكون ذلك عبر استخدام الملف النووي كصمام ضغط سياسي واقتصادي: رفع نسب التخصيب، إدارة الغموض، وإرسال إشارات محسوبة للمجتمع الدولي أن أي ضغط إضافي سيقابله توسع أخطر في البرنامج.
في المقابل، ستتعامل واشنطن مع بقاء النظام على قاعدة "احتواء محسّن" أكثر من قاعدة "تغيير النظام". عقل المؤسسة الأمريكية تعلم دروس العراق وأفغانستان؛ الدولة التي تتفكك تخلق فراغا تتسلل عبره المليشيات، وتتحول منشآتها الحساسة إلى كابوس عالمي.
لذلك ستبحث واشنطن عن تسوية توقف الاشتباك وتمنع الانفلات النووي وتضمن حماية الملاحة والطاقة، حتى لو بقيت طهران تحت سلطة متشددة.
أما إسرائيل، فستقرأ بقاء النظام كتهديد مؤجل لا ينتهي. وستسعى لتحويل فترة ما بعد الحرب إلى "حرب بين الحروب": ضربات استخباراتية، عمليات نوعية، تعطيل شبكات الإمداد، واستهداف السلسلة اللوجستية للوكلاء. ومعنى ذلك أن "وقف النار" في هذا السيناريو لا يشبه السلام، بل يشبه هدنة بين جولتين.
أما السيناريو الأكثر إثارة فهو أن تنتهي الحرب بانهيار النظام أو تفكك مركز القرار في طهران. في هذا السيناريو ستظهر أمام العالم فرصة اقتصادية وسياسية "هائلة" على الورق: إيران منفتحة، رفع عقوبات، عودة كاملة لأسواق الطاقة، تدفق استثمارات، تحرير التجارة، وتحول تدريجي لدولة كانت تملك مقومات الثروة وتعيش داخل قفص العقوبات.
لكن هذه الفرصة تصطدم بالسؤال الذي يقرر كل شيء: من هو البديل؟ فالفراغ في دولة بحجم إيران ليس فراغ كرسي، بل فراغ بنية. إيران هي فعلا شبكة أمنية اقتصادية عقائدية، تمتد في المؤسسات والجامعات والإعلام والجيش والشارع، وتملك مفاتيح المال والسلاح معا. وفي لحظة السقوط، يظهر احتمالان متناقضان:
الاحتمال الأول هو انتقال مدني منظم عبر مجلس انتقالي يمثل المعارضة، يحافظ على المؤسسات، ويضع دستوراً وجيشاً وطنياً. نجاحه يعني تراجع الميليشيات، انكماش محور الوكلاء، وعودة الدولة الوطنية في لبنان والعراق مع خفض التوتر الإقليمي، اما الاحتمال الثاني فهو صعود الحرس الثوري؛ سقوط العمامة وبقاء البندقية. مع غياب بديل مدني موحد، قد يسيطر الحرس بماله وسلاحه وشبكاته، ويؤسس لحكم عسكري يتمسك بالنووي كضمانة بقاء ويدير الداخل بالقوة والخارج بالابتزاز.
وفي هذا السيناريو يصبح "اليوم الثاني" أزمة دولية؛ تأمين النووي، منع التفكك، واحتواء الاضطراب. واشنطن بين دعم انتقال مدني بطيء أو قبول سلطة عسكرية مستقرة شكلياً، وإسرائيل تتجه لمنع القنبلة بأي ثمن.
باختصار، فإن بقاء النظام الإيراني قد يعني استمرار الحرب، أو حرب ظل، وسقوطه يعني فرصة تاريخية تقابلها مخاطر وجودية: دولة مدنية، أو حكم عسكري أشد صلابة، أو فوضى واسعة.
السؤال مرة أخرى هو: من يملأ الفراغ؟ وكيف يُدار الانتقال؟ وكيف تُحمى المنشآت النووية؟ وكيف يُقطع طريق الوكلاء؟ وكيف يُعاد تركيب الدولة الإيرانية بحيث تعود لشعبها وتتصالح مع جغرافيتها وتدخل الاقتصاد العالمي دون أن تستنسخ مشروع الهيمنة؟ وجهة نظري أن اليوم الثاني لهذه الحرب هو مصير الشرق الأوسط.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة