«تحالف الظل» في إيران.. وحيدي وجعفري يواجهان قاليباف
في الوقت الذي تركّز فيه التحليلات الغربية على الحرب الدائرة ومآلاتها الإقليمية، يُعاد تشكيل بنية السلطة الإيرانية من الداخل عبر شراكة خطيرة لم تنل نصيبها من التدقيق.
كانت تقارير سابقت قد أشارت إلى الجنرال أحمد وحيدي، القائد العام الجديد للحرس الثوري، بوصفه مركز الثقل الحقيقي في النظام، وهو ما أكدته لاحقاً مصادر استخبارية غربية، بحسب صحيفة "التليغراف" البريطانية.
غير أن الصورة تظل ناقصة من دون رصد الحليف الجديد الذي يُكمل معه قبضته على مفاصل الدولة العميقة: إنه محمد علي جعفري، القائد العام السابق للحرس الثوري، وثاني أقوى شخصية في إيران في الوقت الحالي، بحسب صحيفة التليغراف.
تشكّل تحالف غامض بين الرجلين، وكلاهما خصم لدود لمحمد باقر قاليباف، ليُنتج دينامية مختلفة تماماً عن الصورة النمطية التي سارعت إلى تتويج رئيس البرلمان بوصفه قائد إيران بعد اغتيال المرشد علي خامنئي واختفاء نجله مجتبى، المرشد الجديد.
وسرعان ما أثبت قاليباف أنه لم يكن صاحب الكلمة الفصل؛ إذ تقوّضت مكانته في المفاوضات مع الولايات المتحدة، وتواترت الشائعات بين شبكات القادة الشبان في الحرس الثوري عن استيائه العميق من تهميشه المتعمد.
لماذا يحتاج وحيدي إلى جعفري؟
السبب جوهري؛ فرغم النفوذ الهائل الذي يتمتع به وحيدي، لكن سنوات غيابه عن القيادة المباشرة للحرس الثوري بحكم توليه وزارة الداخلية في حكومة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي ورئاسة جامعة الدفاع الوطني العليا، خلفت فجوة في قاعدته الشعبية داخل المؤسسة العسكرية، خصوصاً بين الجيلين الثالث والرابع من الحرس وقوات الباسيج.
وعندما خسر جعفري منصبه قائدا للحرس الثوري في 2019 على خلفية تسريب مُحرج كشف تورط قاليباف في فساد واسع، لم يُهمّش كما يُعتقد، بل انتقل لقيادة أحد أكثر الأجهزة سريةً وخطورة: "مقر بقية الله".
وقد تأكدت المكانة الخاصة لهذا المقر في تسجيل مسرّب للمسؤول الكبير ساسان زارع، أوضح أنه يتمتع بالوضع نفسه الذي يحظى به فيلق القدس، ويرفع تقاريره مباشرة إلى مكتب المرشد.
"مقر بقية الله" ومشروع الحلقة الوسطى: هندسة اجتماعية بقبضة أمنية
لم يكن مقر بقية الله مجرد هيكل إداري، بل ذراعاً اجتماعية وثقافية للحرس الثوري صممها جعفري، أحد أبرز استراتيجيي الحرس، لتنظيم وتدريب وتعبئة قاعدة النظام الصغيرة لكن شديدة التطرف في كل أنحاء إيران.
تمركزت رؤيته حول ما يُعرف بـ"الحلقة الوسطى"، وهي شبكة من الشباب المتطرفين استهدفت خلق 800 ألف مجموعة صغيرة تضم نحو 4 ملايين عضو في الأحياء الإيرانية خلال 5 سنوات، وقام بتدريبهم على عمليات الرقابة الأيديولوجية والدعاية والتأثير في النتائج السياسية، فتحولوا إلى أداة لضبط المجتمع وهندسة الانتخابات.
وفي 2024، استخدم جعفري هذه الشبكة لدعم سعيد جليلي ومنع قاليباف من الوصول إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، مما عمّق الشرخ بين الرجلين.
هكذا نجح جعفري في بناء قاعدة شعبية صلبة بين الأجيال الأصغر سناً والأكثر التزاماً بالأيديولوجيا، وهي القاعدة الجاهزة التي يحتاج إليها وحيدي اليوم لتثبيت سلطته الشخصية وتوسيعها.
لم تكن مهارة جعفري التنظيمية وليدة اللحظة، فخلال توليه قيادة الحرس الثوري بين 2007 و2019، صمم وأشرف على لامركزية الحرس عبر إنشاء حرس المحافظات، وهيكلة جهاز استخبارات الحرس، وتأسيس قيادة الفضاء الإلكتروني، وتطوير قدرات الحرب غير المتماثلة. كما لعب دوراً محورياً في القمع الدموي لاحتجاجات 2009 و2017-2018.
قاليباف أوليغارشية فاسدة.. وتحالف الصقور نحو دولة أمنية خالصة
في مقابل هذا التشدد الأيديولوجي، يجسد قاليباف التناقض الذي يثير غضب الأجيال الشابة في الحرس. ففضائحه لا تتوقف عند التسريبات الصوتية التي كشفت فساده المالي؛ فقد تناقلت التقارير إقامة ابنه إسحاق الطويلة في أستراليا، حيث درس وعمل وحصل على إقامة مؤقتة ودخل من تأجير العقارات، بينما كانت زوجته وابنته وصهره محور فضيحة "لايت غيت" عام 2022، إثر عودتهم من تركيا محملين بمستلزمات الأطفال في وقت يعاني فيه الإيرانيون العاديون ضغوطاً اقتصادية خانقة.
هذه الصور رسّخت نموذج الأوليغارشية الفاسدة التي تدعو إلى التقشف الثوري، فيما تعيش عائلاتها حياة البذخ خارج البلاد. كما أن مسيرة قاليباف السياسية المليئة بالتحولات الانتهازية، من قائد أمني صارم إلى عمدة تكنوقراطي ثم إصلاحي براغماتي فمتشدد مقرب من مركز السلطة، أفقدته ثقة معظم الفصائل.
هكذا يتبلور تحالف وحيدي وجعفري بوصفه زواجاً بين المصلحة والأيديولوجيا والسلطة. إذ يحتاج وحيدي إلى آلة جعفري التنظيمية وإلى ولاء "الحلقة الوسطى" لبناء قاعدته الشعبية، فيما يستخدم جعفري نفوذ وحيدي لتهميش خصومه وفي مقدمتهم قاليباف.
ويمثل الرجلان معاً التيار الأيديولوجي المتشدد الذي ينظر إلى السياسة والمجتمع والمنطقة عبر عدسة أمنية ثيوقراطية لا تقبل الحلول الوسطى.
وإذا ما كتب لهذا التحالف النجاة من الحرب، فإنه سيعمّق تحوّل النظام من دولة دينية يحرسها الحرس الثوري إلى دولة دينية أمنية يهيمن عليها بالكامل.
ففي الداخل، ستصبح إيران أكثر قمعاً مع صعود كوادر شابة أكثر راديكالية وانضباطاً أيديولوجياً. وفي الخارج، سيتعامل الحرس، الممسك بزمام السلطة السياسية كاملة، مع المواجهة لا بوصفها خطراً بل لغة طبيعية للقوة. تداعيات كهذه ستكون أوضح وأخطر ما يكون، خصوصاً بعد رحيل نتنياهو وترامب عن المشهد.