أوروبا خارج المشهد الإيراني.. من صانع الاتفاق النووي إلى «الغائب الأكبر»
لم يكن غياب أوروبا عن الاتصالات المكثفة التي رافقت إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تفاهم محتمل مع إيران مجرد تفصيل بروتوكولي أو نتيجة لتغير عابر في أولويات السياسة الدولية، بل بدا مؤشراً على تحوّل أعمق في مكانة أوروبا داخل معادلات الشرق الأوسط.
ففي لحظة كانت فيها القوى الإقليمية الأكثر قرباً جغرافياً من إيران تتحرك دبلوماسياً لخفض التصعيد والانخراط في مسار تفاوضي، لم تظهر العواصم الأوروبية في موقع الشريك المؤثر أو الوسيط المقبول كما كانت قبل سنوات قليلة.
والمفارقة، بحسب موقع "ريسبونسبل ستيت كرافت"، أن أوروبا نفسها كانت حتى وقت قريب أحد أبرز مهندسي الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، قبل أن تجد نفسها اليوم خارج دائرة التأثير الفعلي.
شخصية ترامب وحسابات الجوار
هذا التراجع لا يمكن فهمه بمعزل عن عوامل خارجية تتصل بطبيعة إدارة ترامب وأسلوبها السياسي وشخصية الرئيس الأمريكي أو الحسابات الإقليمية.
ولم تُظهر أوروبا الإحساس ذاته بضرورة التحرك العاجل رغم أن آثار الحرب على أسواق الطاقة والتضخم تمتد إليها بوضوح.
لكن اختزال المسألة في شخص ترامب أو الحسابات الإقليمية يغفل عاملاً أكثر حسماً: أوروبا نفسها ساهمت في إضعاف موقعها التفاوضي.
فبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، حاولت العواصم الأوروبية تقديم نفسها بوصفها قوة مستقلة قادرة على حماية المسار الدبلوماسي مع إيران عبر أدوات مالية وتجارية بديلة، غير أن هذه المحاولات لم تسفر عن نتائج ملموسة.
وقد ولّد تعثر تلك الأدوات لدى طهران انطباعاً بأن أوروبا تفتقر إلى الإرادة السياسية اللازمة للدفاع عن التزاماتها عندما تصطدم بالضغوط الأمريكية.
ثم جاءت خطوة أكثر تأثيراً عندما دفعت الدول الأوروبية الثلاث المعنية بالملف الإيراني نحو إعادة تفعيل آليات العقوبات النووية داخل مجلس الأمن، في توقيت رأت فيه طهران أنه يغلق الباب أمام الحلول التفاوضية.
وبالنسبة للقيادة الإيرانية، بدت أوروبا في تلك اللحظة أقل قدرة على لعب دور الوسيط وأكثر ميلاً إلى الاصطفاف مع المقاربة الأمريكية.
ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، تعزز هذا الانطباع بعدما أعادت أوروبا تعريف كثير من ملفاتها الخارجية ضمن إطار تنافسي يقوم على الاصطفاف الجيوسياسي، وهو ما انعكس مباشرة على علاقتها بإيران.
هذا التحول لم يكن بلا ثمن. فإيران، التي وجدت نفسها معزولة اقتصادياً وسياسياً في مواجهة العقوبات والضغوط الغربية، اتجهت بدرجة أكبر نحو بناء شراكات مع موسكو، مستفيدة من الحاجة المتبادلة إلى الالتفاف على القيود الغربية وتطوير التعاون العسكري والتكنولوجي.
وهكذا تحولت العلاقة بين أوروبا وإيران من مساحة تفاوض إلى دائرة من انعدام الثقة المتبادل، قبل أن يتحول ذلك لاحقاً إلى مبرر إضافي لمزيد من التصعيد الأوروبي.
طريق استعادة النفوذ
اليوم تبدو المشكلة أن الاتحاد الأوروبي يواصل تبني خطاب متشدد تجاه طهران دون امتلاك أدوات التأثير التي تسمح بتحويل هذا الخطاب إلى نتائج سياسية. فالتصريحات الأوروبية التي تطالب بضمانات نووية وإنهاء السلوك الإقليمي الإيراني لا تكفي وحدها لاستعادة موقع تفاوضي فقد كثيراً من مقوماته خلال السنوات الماضية.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال الأهم ليس لماذا تم استبعاد أوروبا، بل ما إذا كانت أوروبا قادرة على إعادة تعريف دورها.
الاستعادة الممكنة للنفوذ لا تمر بالضرورة عبر منافسة الولايات المتحدة في أدوات القوة الصلبة، بل عبر استثمار المجالات التي تمتلك فيها أوروبا خبرة وسمعة تراكمية مثل إعادة الإعمار، وحماية البنية التحتية، والطاقة، والمياه، والتحول البيئي، وبناء الثقة الاقتصادية.
فالدبلوماسية الأوروبية لم تكن تاريخياً الأكثر فاعلية حين تتحول إلى خطاب عسكري أو اصطفافات حادة، لكنها غالباً ما تحقق حضوراً عندما تقدم حلولاً عملية طويلة المدى. وإذا أرادت أوروبا العودة إلى طاولة الشرق الأوسط، فربما يبدأ ذلك من إعادة اكتشاف قيمتها كقوة قادرة على البناء لا مجرد طرف يراقب التحولات من خارج المشهد.