الشارقة ترفع علم الإمارات في قلب وارسو وتضع بولندا في حوار حي مع الثقافة الإماراتية والعربية
نجحت الشارقة في تقديم حضور ثقافي إماراتي وعربي متكامل خلال معرض وارسو الدولي للكتاب 2026، عبر برنامج حافل بالفعاليات والشراكات.
اختتمت إمارة الشارقة مشاركتها في معرض وارسو الدولي للكتاب 2026، كأول ضيف شرف عربي في تاريخ المعرض، رافعةً علم دولة الإمارات العربية المتحدة عاليًا في قلب العاصمة البولندية وارسو على مدار أربعة أيام متواصلة، مجسدةً من جديد حصاد عقود من مشروع الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في ترسيخ مكانة الإمارة مركزًا عالميًا للثقافة ووجهةً أولى للثقافة الإماراتية والعربية أمام العالم، ونجحت في تحويل وارسو إلى مساحة مفتوحة لحوار حيّ بين الثقافتين الإماراتية والبولندية امتد من أروقة المعرض إلى فضاءات المدينة ومؤسساتها الأكاديمية والثقافية.
وتعالت الأهازيج والفنون الشعبية الإماراتية في ساحات وارسو ومسارحها، فيما استضافت كبرى الجامعات البولندية نخبة من الكتّاب والمبدعين الإماراتيين في لقاءات وحوارات معرفية، في وقت احتضن فيه الاستاد الوطني في وارسو، الذي استضاف فعاليات المعرض، 35 فعالية ثقافية وحوارية بمشاركة 36 كاتبًا وشاعرًا وفنانًا ومبدعًا من دولة الإمارات وبولندا، وبحضور 21 مؤسسة ثقافية ومعرفية مثّلت الشارقة، لتقدّم الإمارة مشهدًا ثقافيًا إماراتيًا وعربيًا متكاملًا ترك أثرًا واسعًا في المشهد البولندي والأوروبي.
وجاءت مشاركة الشارقة في المعرض عبر وفد رسمي وثقافي رفيع برئاسة الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة مجلس إدارة هيئة الشارقة للكتاب، في احتفاءٍ يعكس التقدير الدولي للدور الذي تضطلع به الإمارة في المشهد الثقافي العالمي، وللمكانة التي رسّخها مشروعها الحضاري بوصفه نموذجًا عربيًا رائدًا في بناء الثقافة والمعرفة وتعزيز الحوار بين الشعوب.
وأكد أحمد بن ركاض العامري، الرئيس التنفيذي لهيئة الشارقة للكتاب، أن مشاركة الشارقة في المعرض تجسد الرؤية الثقافية لحاكم الشارقة، التي أرست الثقافة بوصفها مشروعًا حضاريًا مستدامًا وأداةً للتفاهم الإنساني والتقارب بين المجتمعات، مشيرًا إلى أن هذه الرؤية تواصل حضورها اليوم من خلال المتابعة والدور القيادي للشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة مجلس إدارة الهيئة، في ترسيخ مكانة الشارقة مركزًا عالميًا للكتاب والنشر والمعرفة، وتعزيز حضور الثقافة الإماراتية والعربية على الساحة الدولية.
وقال إن ما شهدناه في وارسو من إقبال واسع وتفاعل لافت مع جناح الشارقة وبرنامجه الثقافي والفني والأكاديمي يعكس قدرة الثقافة على بناء جسور حقيقية بين الشعوب حين تُقدَّم بوصفها فعلًا حيًا ومفتوحًا على الحوار والتبادل والتعارف، وقد لمسنا اهتمامًا كبيرًا من الجمهور البولندي بالأدب الإماراتي والعربي، وبالتراث والفنون والتجارب المعرفية التي حملتها الشارقة إلى وارسو.
وأضاف أن الشارقة لا تحضر في المحافل الدولية بصفتها ممثلة للثقافة الإماراتية فحسب، بل بوصفها صوتًا للثقافة العربية بكل غناها وتنوعها وعمقها التاريخي، مشيرًا إلى أن المشاركة أرست مسارات واعدة للتعاون بين دولة الإمارات العربية المتحدة وبولندا في مجالات النشر والترجمة وتبادل الحقوق وصناعة الكتاب.
من جانبه، قال ياسيك أوريل، مدير معرض وارسو الدولي للكتاب، في كلمته خلال حفل ختام المعرض، إن مشاركة الشارقة ضيف شرف الدورة الخامسة من المعرض شكّلت حضورًا استثنائيًا بكل المقاييس، وأسهمت في أن تكون دورة هذا العام من أكثر الدورات تميزًا وثراءً بالنسبة للجمهور البولندي وزوار المعرض.
وأضاف أن الشارقة قدّمت برنامجًا ثقافيًا متكاملًا ومتنوعًا تجاوز حدود المشاركة التقليدية في معارض الكتب، ونجح في تحويل حضورها إلى تجربة ثقافية حيّة امتدت من الأدب والنشر إلى الفن والتراث والحوار الأكاديمي، وهو ما ترك أثرًا واضحًا لدى الجمهور البولندي والمؤسسات الثقافية المشاركة.
وأكد أوريل أن الجهود التي قادتها الشارقة خلال أيام المعرض فتحت أمام الجمهور البولندي نافذة واسعة للتعرّف بصورة أعمق إلى الثقافة الإماراتية والعربية وإلى غناها وتنوعها وتاريخها الإبداعي، مشيرًا إلى أن هذه المشاركة أسست لمسار جديد من التقارب الثقافي والحوار المتبادل بين بولندا والعالم العربي.
وأشاد بفريق عمل هيئة الشارقة للكتاب وما أظهره من احترافية عالية في إعداد البرنامج وتنفيذه، ما عكس نموذجًا ملهمًا في كيفية الاحتفاء بالثقافة وصناعة الكتاب، وفي توظيف المعرفة والإبداع لبناء جسور بين المجتمعات، مؤكدًا أنها كانت تجربة استثنائية بكل تفاصيلها، وستظل واحدة من أبرز محطات المعرض لهذا العام.
وشكّلت الندوات الحوارية التي استضافها جناح الشارقة محورًا رئيسيًا في المشاركة، إذ جمعت كتّابًا ومبدعين من دولة الإمارات وبولندا في سلسلة لقاءات ناقشت التحولات التي تشهدها الرواية الإماراتية والبولندية، وحضور التاريخ والذاكرة في السرد، والتقاطعات الثقافية والإنسانية بين التجربتين، إضافة إلى مستقبل أدب الطفل والكتابة للأجيال الجديدة.
وفتحت هذه الجلسات الباب أمام حوار عميق حول دور الأدب في بناء الجسور بين الشعوب، وكيف تستطيع الحكاية المحلية، حين تنطلق من بيئتها الخاصة، أن تصل إلى أفق إنساني مشترك يتجاوز اللغة والجغرافيا والاختلاف الثقافي.
ولم تقتصر المشاركة على البرنامج الأدبي داخل المعرض، بل امتدت إلى فضاءات وارسو الثقافية والأكاديمية، حيث شهدت جامعة وارسو فعاليات ولقاءات تناولت مختلف ملامح الحراك الثقافي الإماراتي، من المسرح والرواية والشعر إلى الفنون البصرية والتجارب الإبداعية الجديدة، ما أتاح لجمهور أكاديمي وبحثي بولندي الاقتراب من التجربة الثقافية الإماراتية من زوايا معرفية متعددة.
وفي موازاة الحضور الأدبي، برزت الفنون البصرية بوصفها مساحة أخرى للحوار الثقافي من خلال معرض فني قدّم قراءات تشكيلية متبادلة بين دولة الإمارات وبولندا عبر أعمال لفنانين إماراتيين استلهموا قصائد لشعراء بولنديين، وأعمال لفنانين بولنديين قدّموا معالجات بصرية لقصائد إماراتية، في تجربة جمعت الكلمة بالصورة ووسّعت التفاعل بين الشعر والفن التشكيلي ضمن لغة بصرية مشتركة.
وخرجت الشارقة إلى المدينة عبر عروض الفرقة الشعبية الإماراتية التي أُقيمت في محطات متعددة في وارسو، وقدّمت للجمهور البولندي جانبًا من الفنون الأدائية والتراث الموسيقي الإماراتي وسط تفاعل لافت من الجمهور، في مشهد عكس حضور الثقافة الإماراتية خارج القاعات الرسمية ووصولها المباشر إلى الفضاء العام.
وحضر التراث الإماراتي أيضًا بتفاصيله اليومية عبر الحرف التقليدية التي استقبلت الزوار داخل جناح الشارقة، حيث قدّمت الحرفيات الإماراتيات عروضًا حيّة لفن التلي والأزياء الشعبية، إلى جانب التعريف بالعطور والبخور والإكسسوارات التقليدية والممارسات المرتبطة بالهوية المحلية، ما أتاح للزوار التعرّف عن قرب إلى عناصر من الثقافة الإماراتية المادية والشفهية المتوارثة.
وفي جانب صناعة الكتاب، شهدت المشاركة لقاءات مهنية بين ناشرين إماراتيين وبولنديين ركزت على تبادل حقوق النشر والترجمة وبحث آفاق التعاون المستقبلي في نقل الأدب بين اللغتين العربية والبولندية، فضلًا عن تقديم جناح الشارقة ستة عناوين مترجمة إلى اللغة البولندية، بما يعزز حضور الأدب الإماراتي في أسواق جديدة ويفتح المجال أمام وصول الأدب البولندي إلى القارئ العربي، ضمن رؤية تنظر إلى الترجمة بوصفها جسرًا ثقافيًا ممتدًا بين الشعوب.
كما سجّل جناح الشارقة حضورًا جماهيريًا لافتًا طوال أيام المعرض، تُوِّج ببيع 280 كتابًا من الإصدارات المعروضة في الجناح، في مشهد يعكس حجم التفاعل الذي حظيت به الثقافة الإماراتية والأدب العربي لدى جمهور المعرض، والاهتمام المتنامي بالتعرّف إلى الإنتاج الأدبي والمعرفي القادم من دولة الإمارات والمنطقة العربية.
وبهذا الحضور المتعدد، تركت الشارقة في وارسو أثرًا ثقافيًا وإنسانيًا واسعًا، مؤكدةً مكانتها بوصفها مشروعًا عربيًا مستمرًا في صناعة الحوار الثقافي العالمي، وفي تقديم الثقافة الإماراتية والعربية إلى العالم.