ركود محتمل.. الاقتصاد العالمي «رهين» حالة اللايقين
لا تزال المخاوف العالمية تتزايد من دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود محتملة.
ففي أعقاب تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تزداد اضطرابات حادة في إمدادات الطاقة، خاصة بعد التأثير المباشر على حركة الملاحة في مضيق هرمز أحد أهم الممرات الحيوية لإمدادات النفط والغاز في العالم.
وأورد تقرير نشرته قناة "إيه بي سي" بعضاً من التداعيات السريعة لهذه الأزمة في عدد من الدول، حيث تم إلغاء آلاف الرحلات الجوية في أوروبا نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار وقود الطائرات، فيما أعلنت الفلبين حالة طوارئ في قطاع الطاقة، بينما قررت باكستان تعطيل الدراسة لمدة أسبوعين لتقليل استهلاك الوقود المرتبط بحركة النقل.
اضطراب الأسواق وخطر الركود
تسببت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في واحدة من أعنف الصدمات النفطية في التاريخ الحديث، إذ يعتمد نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية على المرور عبر مضيق هرمز. ومع تقييد حركة الشحن، ارتفعت الأسعار بشكل ملحوظ نتيجة تقلص المعروض، في وقت يسعى فيه المشترون للحصول على كميات محدودة من الخام.
ويرى عدد من المحللين أن استمرار نقص الإمدادات قد يؤدي إلى ارتفاع أكبر في الأسعار، وهو ما سيؤدي بدوره إلى زيادة معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية للمستهلكين، مما يضغط على الشركات ويحد من النمو الاقتصادي.
وفي هذا السياق، حذر ريان سوييت، كبير الاقتصاديين في "أكسفورد إيكونوميكس"، من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى ارتفاع تكلفتها بشكل متزايد، مؤكدًا أن تأثيرها الكامل على الاقتصاد العالمي لا يزال غير واضح حتى الآن.
وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط يؤثر بشكل مباشر على التضخم، ما يقلل من القوة الشرائية ويبطئ النشاط الاقتصادي، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن الحكم على دخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود لا يزال سابقًا لأوانه.
سيناريوهات متباينة
وتباينت آراء الاقتصاديين حول مدى خطورة الأزمة، إذ يرى البعض أن الاقتصاد العالمي أظهر قدرًا من المرونة في مواجهة صدمات سابقة مثل الحروب التجارية وارتفاع أسعار الطاقة، ما قد يساعده على تجاوز الأزمة الحالية إذا لم تستمر لفترة طويلة.
في المقابل، حذر آخرون من أن استمرار إغلاق المضيق لعدة أشهر قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى حافة الانكماش. وذهب المحلل بول كروجمان إلى أن احتمال حدوث ركود عالمي يصبح مرجحًا إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة، مشيراً إلى أن الأسواق قد تواجه ما يُعرف بـ"تدمير الطلب" نتيجة ارتفاع الأسعار إلى مستويات لا يستطيع المستهلكون تحملها.
ورغم هذه المخاوف، لا تزال بعض التوقعات الرسمية أكثر تفاؤلًا. فقد توقع صندوق النقد الدولي أن يسجل الاقتصاد العالمي نموًا بنسبة 3.1% خلال عام 2026، بينما رجحت منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي استقرار النمو عند نحو 2.9%.
لكن هذه التوقعات تستند إلى فرضية انتهاء الأزمة خلال فترة قصيرة، وهو ما يظل غير مؤكد في ظل استمرار التوترات. وتشير السيناريوهات البديلة إلى أن استمرار الاضطرابات قد يدفع النمو العالمي إلى مستويات أقل من 2%، وهو ما يُعد مؤشرًا على ركود اقتصادي عالمي وفقًا للمعايير الدولية.
تداعيات ممتدة
وفي حال استمرار الأزمة، تتوقع بعض التقديرات ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قد تصل إلى 190 دولارًا للبرميل، ما قد يدفع معدلات التضخم العالمية إلى نحو 7.7%، وهي مستويات تقترب من ذروتها خلال أزمة 2022.
ومن المرجح أن تكون الدول منخفضة الدخل الأكثر تضررًا من هذه التطورات، إلى جانب الدول التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة عبر مضيق هرمز، في حين ستواجه الشركات ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل الاقتصاد العالمي رهينًا بتطورات الأزمة الجيوسياسية ومدى سرعة التوصل إلى تسوية.
وفي هذا الإطار، يؤكد المحللون أن العودة إلى مستويات الاستقرار السابقة قد تستغرق وقتا طويلا، خاصة في ظل الترابط الشديد بين أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات عاملًا حاسمًا في تحديد مسار النمو خلال الفترة المقبلة.