من فنزويلا إلى غرينلاند.. مستشار ترامب يرسم خرائط الهيمنة الأمريكية
يُعدّ ستيفن ميلر أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في محيط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرجل الذي يقف، خلف توسيع مفهوم شعار «أمريكا أولًا» من سياسة داخلية شعبوية إلى مشروع نفوذ جيوسياسي يمتد من فنزويلا وصولًا إلى غرينلاند.
فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، بات ميلر، بحسب صحيفة التايمز البريطانية، قوة دافعة تدفع ترامب إلى المضي أبعد وأسرع في فرض تصوّره للهيمنة الأمريكية على نصف الكرة الغربي.
قبل تسعة أيام فقط من الانتخابات الرئاسية، وقف ميلر على منصة تجمع انتخابي لترامب في ماديسون سكوير غاردن، مخاطبًا الحشود بلغة حادة: «خلاصكم قريب». ثم تساءل بصوت مرتفع: «من سيدافع عن بناتنا؟ من سيقف ليقول إن عصابات المخدرات انتهت، وإن المهاجرين المجرمين اختفوا، وإن أمريكا للأمريكيين فقط؟» قبل أن يجيب بحسم: «رجل واحد»، في إشارة للرئيس دونالد ترامب.
كان ذلك الخطاب نموذجًا مكثفًا لنهج «أمريكا أولًا» الذي جعل من ميلر كبير كتّاب خطابات ترامب في ولايته الأولى، ثم مهندس سياساته الأكثر تشددًا في ملف الهجرة خلال ولايته الثانية.
وإذا كان جمهوره آنذاك من الناخبين الأمريكيين، فإن موقعه المتقدم داخل البيت الأبيض مكّنه لاحقًا من توسيع هذا الشعار ليصبح إطارًا ناظمًا للسياسة الخارجية الأمريكية، قائمًا على فرض القوة بدل الاكتفاء بالشعارات.
ورغم لقبه الرسمي كنائب لرئيس موظفي ترامب، وهو منصب لا يعكس ثقله الحقيقي، حصل ميلر، البالغ من العمر 40عامًا، على نفوذ استثنائي سمح له بتطبيق أفكار قومية تبناها منذ مراهقته، في تمرّد واضح على البيئة الليبرالية التي نشأ فيها في كاليفورنيا.
ويحرص ترامب على تقديمه دائمًا بوصفه «ستيفن ميلر العظيم»، فيما بات ميلر اليوم لاعبًا محوريًا في الدفع نحو تغيير النظام في فنزويلا، ضمن رؤية ترامبية ترى في الضغط السياسي والاقتصادي وسيلة لتحقيق المصالح الأمريكية.
وغالبًا ما يظهر ميلر في وسائل الإعلام مدافعًا شرسًا عن ترامب، في انعكاس لدوره الحقيقي خلف الكواليس، حيث لا يكتفي بتأييد الرئيس، بل يدفعه لتجاوز سياسات أسلافه.
ويمتد هذا المنطق ذاته إلى مقاربة ملف غرينلاند. ففي مقابلة مع جيك تابر على قناة سي إن إن، قال ميلر بلهجة مباشرة: «لن يحارب أحد الولايات المتحدة عسكريًا من أجل مستقبل غرينلاند. نحن نعيش في عالم تحكمه القوة، وهذه هي القوانين الحديدية للعالم منذ الأزل».
وبفضل مزيج من التملق المنضبط داخل أروقة البيت الأبيض، والصراحة الاستفزازية التي تُرضي ترامب في ظهوره الإعلامي، أصبح ميلر المستشار السياسي الأهم للرئيس.
وقد أتاح له هذا الموقع الدفع بسياسات قومية متشددة، شملت حظر السفر من دول ذات أغلبية مسلمة، واعتقال وترحيل المهاجرين غير النظاميين على نطاق واسع، حتى أولئك الذين يمثلون أمام المحاكم لتسوية أوضاعهم القانونية.
وفي بعض الأحيان، بدا أن حدة ميلر تتجاوز حتى ما يرغب ترامب نفسه في التصريح به علنًا.
من هو ستيفن ميلر؟
وُلد ميلر في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا، لأسرة تعود أصولها إلى بيلاروسيا، حيث فرّ أجداده من الاضطهاد الديني قبل وصولهم إلى نيويورك عام 1903.
وخلال دراسته في جامعة ديوك بولاية كارولاينا الشمالية، واصل ميلر نهجه الصدامي، مدافعًا بشراسة عن إدارة جورج دبليو بوش، ومتهمًا السيناتور تيد كينيدي بالخيانة.
بعد تخرجه، انتقل إلى واشنطن حيث عمل مع شخصيات محافظة بارزة، من ميشيل باكمان إلى جيف سيشنز، قبل أن يجد طريقه إلى دائرة ترامب المقربة، بدعم من شخصيات إعلامية مثل تاكر كارلسون وستيف بانون.
وفي البيت الأبيض، ارتبط اسمه بأكثر سياسات الإدارة إثارة للانقسام، من حظر السفر إلى فصل الأطفال عن ذويهم على الحدود.
وفي مقال نشره موقع «بوليتيكو»، عبّر ديفيد جلوسر، عم ميلر وعالم النفس العصبي المتقاعد، عن صدمته من مسار ابن أخيه، قائلاً إنه يرتعد عند التفكير في مصير أجدادهم لو طُبقت عليهم السياسات نفسها التي يدافع عنها ميلر اليوم، من حظر السفر وتقليص اللجوء إلى فصل الأطفال عن آبائهم، وحتى التشكيك في مبادئ المواطنة ذاتها.