اتفاق القوى المدنية السودانية.. محاصرة خيار «الحسم العسكري» (خاص)
نجحت قوى سياسية ومدنية سودانية في تحقيق اختراق لافت على طريق إنهاء الحرب، بعد توقيع رؤية مشتركة خلال اجتماعات استضافتها العاصمة الإثيوبية.
التوقيع الذي تم في اجتماع الآلية الخماسية في أديس أبابا يومي الثالث والرابع من يونيو/حزيران الجاري، عدّه مراقبون محاولة جادة لتوسيع جبهة الرافضين للحل العسكري وإعادة إحياء المسار السياسي.
ويبعث الاتفاق برسائل قوية بشأن اتساع التأييد لخيار السلام وتراجع الرهان على الحسم بالقوة كمدخل لحل الأزمة السودانية.
الاتفاق الذي تمخض بعد عناء ومفاوضات ماراثونية، جاء لمحاصرة خيار الحرب الذي ظلت تفرضه دوائر عسكرية وأخرى على صلة بتنظيم الإخوان، بغرض الاستئثار بالسلطة، ومن ثم قطع الطريق أمام الانتقال المدني الديمقراطي الذي فرضته الثورة الشعبية في أبريل/نيسان ٢٠١٩.
وأعلنت مجموعة من القوى السياسية والمدنية السودانية المشاركة في الاجتماع التشاوري الذي دعت إليه الآلية الخماسية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، توقيعها على رؤية مشتركة تهدف إلى تدشين مسار سلام سوداني يقود إلى إطلاق عملية سياسية تنهي الحرب وتؤسس لحل مستدام للأزمة.
من هم الموقعون؟
وعلى الرغم من أن هناك بعض القوى السياسية والمدنية التي تحفظت على التوقيع على مسودة الرؤية المشتركة، مثل الحركة الشعبية شمال- التيار الثوري، وحركة جيش تحرير السودان قيادة عبدالواحد محمد نور، فإنها أعلنت دعمها الصريح لمسار السلام ورفضها خيار الحرب، مطالبةً بإدراج بعض التعديلات في الرؤية المشتركة.
وضمت قائمة الموقعين على الرؤية المشتركة طيفا واسعا من القوى المدنية والسياسية ذات التأثير الفاعل في المشهد السوداني، حيث شملت القائمة: التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة "صمود"- أكبر تحالف سياسي في السودان رافض للحرب، والكتلة الديمقراطية – قوى الحرية والتغيير، وحزب البعث العربي الاشتراكي – الأصل، والمؤتمر الشعبي، وحزب الأمة جناح مبارك الفاضل، وعددا من الشخصيات والمنظمات المدنية والنسوية والشبابية المشاركة في الاجتماع التشاوري.
وأكد الموقعون، تلقت "العين الإخبارية" نسخة منه، أنهم توافقوا على رؤية مشتركة حول سبل تدشين مسار سلام سوداني، بما يقود إلى إطلاق العملية السياسية عبر لجنة تحضيرية، ويضع أسس حل سلمي مستدام ينهي الحرب، ويحقق العدالة الشاملة والعادلة، ويحافظ على وحدة السودان وسيادته، ويعالج جذور الأزمة.
كتلة مناهضة للحرب
ووصف الناطق باسم تحالف "صمود" بكري الجاك، في تصريح مقتضب لـ"العين الإخبارية"، وصول القوى السياسية والمدنية إلى محطة التوقيع المشترك على رؤية قائمة على الرغبة في تعزيز مسار السلام، بأنها خطوة "مهمة" فى اتجاه بناء كتلة حرجة مناهضة للحرب.
وأضاف أن هذه الخطوة يمكن أن تفتح الطريق لمحاصرة خيار الحرب كوسيلة لحسم الصراع السياسي، ومدخل للتوافق الوطني.
وحسب البيان، فإن هذا التوافق يعكس الإرادة المتنامية بين القوى السياسية والمدنية السودانية للعمل معًا من أجل إنهاء معاناة المواطنين والمواطنات جراء الحرب، والتصدي لخطابات الكراهية والعنصرية، وتغليب لغة الحوار، ووقف التمزق الذي أصاب النسيج الاجتماعي السوداني.
كما أكد الموقعون على إيقاف الحرب، وإطلاق عملية سياسية تتبنى مشروعًا نهضويًا يعالج الدمار الشامل الذي خلّفته الحرب، عبر مقاربة متكاملة تضع في قلب اهتمامها مخاطبة الكارثة الإنسانية، وتوسيع الفضاء المدني، وتهيئة المناخ والإجراءات التي تسبق العملية السياسية وتمهّد لنجاحها، حسب البيان.
خطوة إيجابية
من جانبه، رأى رئيس دائرة الإعلام في حزب الأمة القومي في السودان، المصباح أحمد محمد، أن التوافق الذي توصلت إليه الأطراف السودانية المشاركة في مشاورات أديس أبابا حول وثيقة العملية السياسية، "خطوة إيجابية" ومهمة على طريق إطلاق عملية سياسية سودانية شاملة تقود إلى إنهاء الحرب ومعالجة جذور الأزمة الوطنية.
وقال المصباح في حديث لـ"العين الإخبارية": "يُعد هذا التوافق أساسًا مهمًا للانتقال إلى المرحلة التالية المتمثلة في استكمال الترتيبات الخاصة بتشكيل اللجنة التحضيرية للحوار السوداني-السوداني، بما يفتح المجال أمام مشاركة أوسع للقوى السياسية والمدنية وأصحاب المصلحة كافة.
وأضاف: "نأمل أن تجد هذه الخطوة الدعم والتجاوب من الأطراف التي لم تشارك في المشاورات، انطلاقًا من المسؤولية الوطنية المشتركة تجاه إنهاء الحرب ووضع حد لمعاناة الشعب السوداني".
وبحسب المصباح فإن الأمر اللافت في هذه المشاورات، أنها جرت في أجواء اتسمت بالانفتاح والجدية وروح المسؤولية، وبإرادة حقيقية للتوصل إلى تفاهمات مشتركة بشأن تصميم العملية السياسية، الأمر الذي يعزز الثقة في إمكانية البناء على ما تحقق واستكمال الحوار مع بقية الأطراف وصولًا إلى توافق وطني أوسع حول ترتيبات المرحلة المقبلة.
العودة إلى طاولة المفاوضات
وفي الوقت ذاته، رأى المصباح أن نجاح أي مسار سياسي يظل مرهونًا بتوافر الإرادة اللازمة لدى الأطراف العسكرية للعودة إلى طاولة التفاوض والتوصل إلى اتفاق عاجل لوقف إطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، وفك الحصار عن المدن والمناطق المتأثرة بالحرب، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها دون عوائق.
ومضى قائلاً: "هذه الإجراءات تمثل متطلبات أساسية لتهيئة المناخ الملائم للعملية السياسية، وتمهيد الطريق نحو إنهاء الحرب، واستعادة الأمن والاستقرار، وإقامة نظام حكم مدني ديمقراطي يعبر عن تطلعات الشعب السوداني في السلام والحرية والعدالة".
دلالات سياسية مهمة
وتعقيباً على خطوة الاتفاق المشترك بين القوى المدنية والسياسية لمناهضة الحرب، يرى المحلل السياسي والباحث الأكاديمي في السودان، حاتم طه أن أهمية اجتماعات أديس أبابا لا تكمن في الوصول إلى اتفاق نهائي، بقدر ما تكمن في أنها كشفت عن تحولات مهمة في المشهد السياسي السوداني.
وقال طه لـ"العين الإخبارية": "الدلالة السياسية الأهم لاجتماعات أديس هي أنها نقلت مركز النقاش من سؤال: هل ينبغي البحث عن حل سياسي أم لا؟ إلى سؤال أكثر تقدمًا: ما هي شروط هذا الحل ومن هي القوى التي ستشارك فيه؟"
وأضاف: "رغم الخلافات بين القوى السياسية التي صاحبت الاجتماعات، فإن ما حدث لم يؤد إلى انهيار العملية أو انسحاب الأطراف من الحوار، بل استمرت المشاورات، وبرزت في المقابل جهود واضحة من تحالف صمود وعدد من القوى المدنية لمحاولة رأب الصدع والحفاظ على خيوط التواصل بين الأطراف المختلفة، بما سمح باستمرار الحد الأدنى من التفاهم حول ضرورة إنهاء الحرب".
وأشار إلى أن اتساع القوى المنخرطة في البحث عن تسوية سياسية يضعف تدريجيًا منطق الاحتكار السياسي لفكرة الحرب، ويجعل من الصعب على أي طرف أن يدّعي امتلاك تفويض حصري لتحديد مستقبل البلاد عبر الوسائل العسكرية وحدها.
وبحسب طه، فإن اجتماعات أديس أبابا لا تمثل نهاية للحرب ولا انتصارًا نهائيًا لخيار السلام، لكنها تمثل خطوة سياسية مهمة لأنها وسّعت دائرة القوى المؤمنة بالحل السياسي.