سوريا من الفضاء.. كيف غيرت سنوات الحرب ضوء الليل؟
لطالما كانت أضواء المدن المتلألئة التي تظهر في صور الأقمار الصناعية للأرض، أو ما يُعرف بـ"الرخام الأسود"، رمزاً ثابتاً للنمو الحضري.

نبض مضطرب لكوكب متألم
ومنذ عقود، افترض العلماء أن الضوء المنبعث من الأرض في ازدياد مستمر وتدريجي. لكن فريقاً بحثياً دولياً من جامعة "كونيتيكت" وبالتعاون مع وكالة "ناسا" وعلماء من ألمانيا، كشفوا عبر تحليل بيانات "الرخام الأسود" للفترة من 2014 إلى 2022، أن كوكبنا يعيش حالة من "الوميض" غير المستقر.
ووفقاً للدراسة، فقد ارتفع السطوع العالمي بنسبة 34%، إلا أن الصدمات والأزمات العالمية محت 18% من تلك المكاسب في لحظات خاطفة. هذا التجاذب بين السطوع والخفوت يعكس واقعاً بشرياً مضطرباً، تأثر بشكل مباشر بـ "هزات" كبرى مثل الحرب في أوكرانيا، وجائحة كورونا، وأزمات الطاقة في أوروبا، والنزاعات المستمرة في سوريا واليمن.
سوريا: حين يحكي الضوء قصة الحرب
بينما كان العالم ينشغل بتوسيع شبكات الإنارة، كانت سوريا تقدم مشهداً مغايراً من الفضاء. فقد رصدت الدراسة خفوتاً حاداً ومستداماً في الإضاءة الليلية السورية، وهو مؤشر دقيق رصدته الأقمار الصناعية لسنوات الصراع الطويلة.
لم يكن هذا الخفوت مجرد تعثر اقتصادي، بل كان تسجيلاً حياً للحظات تضرر البنية التحتية، ونزوح السكان، وتوقف الحياة في مدن كانت يوماً تضيء ليل المشرق. هذا "التوقيع الضوئي" في سوريا واليمن، يمنح العلماء القدرة على تحديد نطاق الأزمة بدقة زمنية ومكانية غير مسبوقة، بعيداً عن التقارير الورقية.
من الخريطة الصماء إلى "البث المباشر"
السر وراء هذه الدقة يكمن في ابتكار خوارزمية جديدة تُدعى "VZA-COLD ".
في السابق، كان الباحثون يعتمدون على متوسطات سنوية أو شهرية تُخفي الأحداث القصيرة والمفاجئة، لكن الفريق الجديد نجح في تصفية "الضوضاء" الناتجة عن ضوء القمر والغطاء السحابي وزوايا التصوير، ليحولوا البيانات إلى تحليل يومي عالي التردد.
يقول زي تشو، الأستاذ المشارك ومدير مختبر الاستشعار عن بُعد البيئي العالمي في جامعة كونيتيكت: ""يمكننا رؤية هذه الديناميكيات كنبض قلب للمجتمع. الخفوت ليس دائماً علامة على الفقر أو التراجع، ففي أوروبا مثلاً، رأينا خفوتاً يعكس سياسات ذكية لتوفير الطاقة والتكيف، أما في مناطق النزاع، فهو علامة على تعطل الحياة".
