مجتمع

مدينة غوفي الجزائرية.. شبيهة "كولورادو" المنسية

الخميس 2017.5.11 03:35 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 3843قراءة
  • 0 تعليق
مدينة "غوفي" الجزائرية

مدينة "غوفي" الجزائرية

يقال إن مدينة غوفي التي تقع شرقي الجزائر، شبيهة بمدينة "كولورادو" الأمريكية، لكن زائر هذه المدينة يكتشف أنها شبيهة نفسها، وقد لا يحتاج إلى ثقافة سياحية عن بقية مدن العالم حينما يدخلها، حتى يجد نفسه في زمن مغاير تماما عن الزمن الذي جاء منه. 

إنها مدينة "غوفي"، التي أبدع الخالق في تصويرها، والمكان الذي لا يحتاج إلى مبالغة في وصفه، فعلى أرضها تزاوج لون الرمال الذهبية مع خضرة الطبيعة، وامتزجت في سمائها لفحات الصحراء القاسية بهواء الجبال المنعش، فأعطت مشهدا فريدا من نوعه، استحق أن تصنفه منظمة اليونسكو ضمن قائمة المواقع التاريخية والطبيعية العالمية.

تقع مدينة غوفي على بعد حوالي 600 كلم جنوب شرق الجزائر العاصمة، وهي تابعة لبلدية "غسيرة" بعاصمة الأوراس "باتنة"، ولا يفصلها عن بوابة الصحراء "بسكرة" إلا جبل "أحمر خدو" الشهير إبان الثورة التحريرية، حيث تقع غوفي فوق تلة على ارتفاع 500 متر وترتفع عن سطح البحر بـ 1200 م.

اختلفت الروايات حول أصل تسمية هذه المدينة المعروفة اليوم بغوفي، فمنها من تقول إن كلمة "غوفي" تعني بالأمازيغية "أُثــفــلوس" أو "بني الأهلة" نسبة إلى الأخاديد التي حفرتها العوامل الطبيعية بالمكان، وتشبه الأهلة في شكلها.


ومنها من ذكرت أن السكان الأصليين لهذه المنطقة "البربرية الشاوية" كانوا يسمونها "الفلوس" نسبة إلى محتوى فاكهة الجوز كما كان يطلق عليها محليا.

لكن رواية أخرى لبعض سكان هذه المدينة تقول إن "فلوس" الاسم الأصلي للمدينة يعود إلى اسم عائلة تدعى "فلوسي" إحدى العائلات التي شيدت غوفي، لكن الأكيد وسط كل هذه الروايات أن التسمية الحالية تعود للفرنسيين.

شُرُفات غوفي

تعتبر شرفات غوفي من أهم المناطق الأثرية والطبيعية في شرقي الجزائر، حيث تمتد سلاسل صخرية متموجة ترتفع من أسفل الوادي بعلو 60 مترا، وما زاد سحر هذه المنطقة هي الأخاديد والبيوت الطينية والحجرية التي تشكل مجموعة من القرى المتناثرة على جنبات الوادي الأبيض أو كما يسمى بالأمازيغية "أو إغزر أملال"، وهي ست قرى: هيتشلط، آثيحي، آثمنصور، آثميمون، آثفاتح، آثورياش ، أما جبالها التي تتكون من صخور رسوبية متحولة، فهي شبيهة بجبال "روكي وجراند كانيون" في الولايات المتحدة.

وفي العهد الاستعماري استغلت فرنسا المكان، لما فيه من جمال طبيعي جذاب، حيث بنت فيه إقامة للفنانين والأثرياء الذين كانوا يقصدون غوفي للاستلهام من مناظرها.

أما بيوتها المعلقة التي شكلت قبل قرون أو البيوت "شبه الكهفية" المبنية من الحجارة البيضاء والطين وجذوع النخيل، فتطل على سفح الوادي كالشرفات، ومن هنا جاءت تسميتها "بشرفات غوفي"، كما يعتقد أن ملكة البربر "الكاهنة" هي من شيدت تلك البيوت ليحتمي بها جيشها عند الحاجة، إذ تأخذ شكل المغارات في جبل صخري شاهق وترتفع عن الأرض بأربعين مترا، كما أن هذه البيوت الحجرية القديمة المنحوتة في الصخر المرتفع على ضفتي الوادي الأبيض، شكلت شرفات رائعة تطل على أسفل الوادي.


يقول المختصون بهذه المنطقة: إن التصميم الهندسي لتلك المنازل يعبر عن حالة إبداع السكان الأصليين وهم "الشاوية" قبل مئات السنين، فبالإضافة إلى كونها مبينة على منحدرات، فإن سكانها اعتمدوا في بنائها على التكيف مع صعوبة المنطقة طبيعيا، فاتخذوا من الحجر الجبلي جدرانا وسقوفا، وهو الحجر المعروف بأنه غير قابل لاختراق الحرارة، مما يجعل من تلك البيوت خزانات لبرودة لا تنضب في فصل الصيف، أما شتاء، فكان سكانها "الشاويون" يستمدون الدفء من المداخن المصنوعة في معظم زوايا المنازل، حيث اعتمدوا في تصميمها على خروج الدخان والحفاظ على الحرارة عبر أعمدتها الملتصقة بجدار وسقف البيت.

يوجد بمدينة غوفي أيضا، بنايات تشبه المساجد في هندستها وارتفاعها، والداخل إليها يجد أنها عبارة عن متاهات، حيث كانت عبارة عن مدارس قرآنية وكتاتيب، وفيها أيضا بيوت مخصصة للرحالة والضيوف الذين ينزلون بالمدينة، أما سقوف هذه البنايات العتيقة التي يعود تاريخها إلى قرون مضت، فهي مصنوعة من أوراق النخيل اليابس والمرفوعة على جذوع النخيل القاسية.

غوفي أرض التمور والحمضيات

مدينة غوفي معروفة أيضا بمفارقة مناخية تميزها عن باقي مناطق الجزائر، فنظرا لموقعها المتمركز بين الصحراء والتل وطبيعتها الجيولوجية المتفردة، فإن هذه المنطقة تنتج ثمار المناخ المتوسطي كالحمضيات، وثمار المناخ الصحراوي كالتمر، حيث تنبت حدائق النخيل أسفل الأخدود العميق، كما تشتهر بنوع خاص من التمر يسمى "بوزرور"، وهو نوع أقل جودة من "دقلة نور" التي تشتهر بها الجزائر.

يقول سكان المدينة: إن غوفي بدأت تدريجيا في استرجاع بريقها السياحي الذي تراجع بعد تدهور الوضع الأمني سنة 1992، حيث كان يقصدها بشكل يومي عدد هائل من الأوربيين خاصة من فرنسا وهولندا وألمانيا وبلجيكا، ومن الولايات المتحدة.

أما سياحها اليوم فغالبيتهم من داخل الجزائر ومن مختلف مناطقها، حيث تقدر الإحصائيات توافد أكثر من 30 ألف سائح خلال فصلي الخريف والربيع، ويصل إلى 60 ألفا في بعض الحالات، خاصة بعد فتح محلات لبيع الأواني الفخارية التقليدية والتحف التقليدية والزرابي المصنوعة من شعر الماعز التي تشتهر بها المنطقة، ومطاعم صغيرة بديكور تقليدي على ضفاف المدينة، حيث تقدم لضيوفها أكلات تقليدية تعرف بها المنطقة، كطبق "الزيراوي" ولحم الماعز المشوي على الجمر، إضافة إلى ما تنتجه المنطقة من خضروات وفواكه.

ورغم قلة المرافق السياحية التي تتطلبها هذه المناطق التاريخية والطبيعية والأثرية، إلا أن "غوفــي" بقيت من أجمل الأماكن السياحية في الجزائر، فضلا عن كونها منطقة للراحة النفسية التي تمنح زائرها أمانا واستقرارا بشكل غريب.

 

تعليقات