العشر الأواخر من رمضان 2026.. هل يمكن أن تكون «ليلة القدر» زوجية؟
تُعد ليلة القدر من أعظم الليالي في الإسلام وأكثرها فضلًا وبركة، إذ ينتظرها المسلمون في كل عام بشوق كبير.
ويحرصون على اغتنامها بالعبادة والطاعة والدعاء. فهي الليلة التي اختارها الله تعالى لإنزال القرآن الكريم، وجعل العبادة فيها خيرًا من عبادة ألف شهر. ومع دخول العشر الأواخر من شهر رمضان يتجدد التساؤل حول موعد هذه الليلة المباركة، وهل يمكن أن تقع في ليلة زوجية أم أنها تقتصر على الليالي الوترية فقط.
وتزداد هذه التساؤلات في كل عام مع اقتراب نهاية الشهر الكريم، إذ يسعى المسلمون إلى معرفة أفضل الأوقات للاجتهاد في العبادة، وتحري ليلة القدر التي تحمل فضلًا عظيمًا ومكانة خاصة في العقيدة الإسلامية.
ما هي ليلة القدر؟
تُعرف ليلة القدر بأنها ليلة مباركة عظيمة الشأن، أنزل الله تعالى فيها القرآن الكريم على النبي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، لتكون بداية نزول الوحي الذي غيّر مجرى التاريخ الإنساني.
وقد ورد ذكر هذه الليلة في القرآن الكريم في سورة كاملة تحمل اسمها، حيث قال الله تعالى:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ • وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ • لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
ويُفهم من هذه الآيات أن العبادة في هذه الليلة تعادل عبادة أكثر من ثلاثة وثمانين عامًا، وهو ما يوضح عظم فضلها ومكانتها.
وقد تعددت أقوال العلماء حول سبب تسميتها بـ"ليلة القدر"، ومن أبرز المعاني التي ذكروها:
أن الله يقدّر فيها مقادير العباد للسنة القادمة من أرزاق وآجال وأحداث.
لعظم قدرها ومكانتها عند الله تعالى.
لأن الأرض تضيق بالملائكة الذين ينزلون فيها بالرحمة والبركة.
لأن العبادة فيها ذات قدر عظيم وأجر مضاعف.
ولهذا السبب يحرص المسلمون على إحياء هذه الليلة بالقيام والذكر وقراءة القرآن، طلبًا لمغفرة الله تعالى ورحمته.

فضل ليلة القدر في الإسلام
تحظى ليلة القدر بمكانة عظيمة في الإسلام، وقد وردت العديد من النصوص التي توضح فضلها وأثرها العظيم في حياة المسلمين.
ومن أبرز فضائل هذه الليلة:
مضاعفة الأجر
العبادة في هذه الليلة تعادل عبادة ألف شهر، وهو ما يجعلها فرصة نادرة للمسلم لزيادة حسناته بشكل كبير.
مغفرة الذنوب
ورد في الحديث الشريف أن من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه.
نزول الملائكة
تشهد هذه الليلة نزول الملائكة إلى الأرض، حاملين الرحمة والبركة والسلام.
انتشار السكينة
تتميز هذه الليلة بأجواء روحانية خاصة يشعر بها كثير من المؤمنين، حيث يسود فيها الهدوء والسكينة.
متى تكون ليلة القدر؟
لم يحدد الإسلام موعدًا دقيقًا لليلة القدر، بل أخفى الله تعالى توقيتها لحكمة عظيمة، وهي أن يجتهد المسلمون في العبادة طوال العشر الأواخر من رمضان.
وقد أرشد النبي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى تحري هذه الليلة في العشر الأواخر من الشهر الكريم، وبخاصة في الليالي الوترية.
ومن الأحاديث المشهورة في هذا الشأن قوله صلى الله عليه وسلم:
"تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان".
كما ورد أن بعض الصحابة رأوا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال النبي:
"أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر".
ويرى عدد من العلماء أن ليلة السابع والعشرين من رمضان من أكثر الليالي التي يُرجّح أن تكون فيها ليلة القدر، لكن كثيرًا من أهل العلم يؤكدون أن الأفضل هو الاجتهاد في جميع ليالي العشر الأواخر.

الليالي الوترية في رمضان
تُعرف الليالي الوترية بأنها الليالي الفردية في العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي:
ليلة 21 رمضان
ليلة 23 رمضان
ليلة 25 رمضان
ليلة 27 رمضان
ليلة 29 رمضان
ويحرص المسلمون على الاجتهاد في هذه الليالي بشكل خاص، لأن العديد من الأحاديث النبوية أشارت إلى احتمال وقوع ليلة القدر فيها.
ومع ذلك، يؤكد العلماء أن التركيز على الليالي الوترية لا يعني إهمال بقية الليالي، لأن الحكمة من إخفاء ليلة القدر هي دفع المسلمين إلى الاجتهاد في جميع ليالي العشر الأواخر.
هل يمكن أن تكون ليلة القدر في ليلة زوجية؟
من الأسئلة التي تتكرر كل عام: هل يمكن أن توافق ليلة القدر ليلة زوجية؟
يشير كثير من العلماء إلى أن الأحاديث النبوية تدل على تحري ليلة القدر في الليالي الوترية، لكن هذا لا يعني استحالة وقوعها في ليلة زوجية.
ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، من أبرزها:
اختلاف بدايات الأشهر القمرية
قد يبدأ شهر رمضان في بلد ما في يوم مختلف عن بلد آخر، مما يؤدي إلى اختلاف ترتيب الليالي الوترية والزوجية.
طريقة حساب الليالي المتبقية
ورد في بعض الأحاديث تعبير يعتمد على عدد الليالي المتبقية من الشهر، مثل:
"التمسوها في العشر الأواخر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى".
وهذا يعني أن الحساب قد يختلف حسب عدد أيام الشهر، فإذا كان رمضان ثلاثين يومًا فقد توافق ليلة القدر ليلة زوجية.
اختلاف اجتهادات العلماء
يرى بعض العلماء أن ليلة القدر قد تنتقل بين الليالي من عام إلى آخر، وقد تقع في ليلة وترية في عام، وفي ليلة مختلفة في عام آخر.
ولهذا السبب يؤكد العلماء أن الأفضل للمسلم هو الاجتهاد في جميع ليالي العشر الأواخر.
علامات ليلة القدر
ذكر العلماء عدة علامات قد تدل على ليلة القدر، بعضها يظهر أثناء الليلة نفسها، وبعضها يظهر في صباح اليوم التالي.
ومن أبرز هذه العلامات:
صفاء السماء
يقال إن السماء تكون صافية هادئة في تلك الليلة.
اعتدال الطقس
لا تكون الليلة شديدة الحرارة ولا شديدة البرودة.
شعور بالطمأنينة
يشعر كثير من المؤمنين بسكينة خاصة وراحة نفسية في هذه الليلة.
شروق الشمس بلا شعاع
من أشهر العلامات التي وردت في الأحاديث أن الشمس تشرق في صباحها بلا شعاع قوي.
ومع ذلك، يؤكد العلماء أن هذه العلامات ليست شرطًا لوقوع ليلة القدر، فقد لا يلاحظها كثير من الناس.
أفضل الأعمال في ليلة القدر
يحرص المسلمون في ليلة القدر على الإكثار من العبادات والطاعات، لما لهذه الليلة من فضل عظيم.
ومن أفضل الأعمال التي يمكن القيام بها:
قيام الليل
يُعد قيام الليل من أعظم العبادات في هذه الليلة.
قراءة القرآن
يسعى كثير من المسلمين إلى ختم القرآن في العشر الأواخر.
الذكر والاستغفار
يُستحب الإكثار من التسبيح والتحميد والاستغفار.
الصدقة
الصدقة في هذه الليلة لها أجر عظيم.
الدعاء
يُعد الدعاء من أهم العبادات في ليلة القدر.
أفضل الأدعية في ليلة القدر
يحرص المسلمون على الدعاء في ليلة القدر، لأن الدعاء فيها مستجاب بإذن الله.
ومن أشهر الأدعية التي وردت عن النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم عندما سُئل عن الدعاء في هذه الليلة:
"اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني".
كما يمكن للمسلم أن يدعو بما يشاء من خيري الدنيا والآخرة، مثل:
اللهم اغفر لي ذنوبي كلها.
اللهم ارزقني الهداية والتوفيق.
اللهم أصلح لي ديني ودنياي.
اللهم اجعلني من المقبولين في هذا الشهر الكريم.
لماذا أخفى الله موعد ليلة القدر؟
يرى العلماء أن إخفاء موعد ليلة القدر يحمل حكمة عظيمة، ومن أهم هذه الحكم:
تشجيع المسلمين على الاجتهاد في العبادة طوال العشر الأواخر.
اختبار صدق الإيمان والإخلاص في الطاعة.
زيادة فرص المغفرة والرحمة للمسلمين.
فلو عُرفت ليلة القدر على وجه التحديد، لاجتهد الناس في تلك الليلة فقط وتركوا بقية الليالي.
كيف يستعد المسلم لليالي العشر الأواخر؟
يمكن للمسلم الاستعداد للعشر الأواخر من رمضان من خلال عدة خطوات، مثل:
تنظيم الوقت بين العمل والعبادة
تخصيص وقت لقراءة القرآن
الإكثار من الدعاء والاستغفار
تقليل الانشغال بأمور الدنيا
إحياء الليل بالصلاة والذكر
تظل ليلة القدر واحدة من أعظم الفرص الروحية التي يمنحها الله تعالى للمسلمين كل عام، فهي ليلة خير من ألف شهر، وموسم عظيم لمغفرة الذنوب ورفع الدرجات.
وعلى الرغم من أن الأحاديث تشير إلى تحريها في الليالي الوترية من العشر الأواخر من رمضان، فإن كثيرًا من العلماء يؤكدون أن الأفضل هو الاجتهاد في جميع هذه الليالي، لأن ليلة القدر قد توافق ليلة وترية أو زوجية بحسب اختلاف الحسابات.
ولهذا يبقى الطريق الأضمن لنيل فضل هذه الليلة المباركة هو الاجتهاد في العبادة والطاعة طوال العشر الأواخر من رمضان، طلبًا لرضا الله ومغفرته.