من أبلغ المصطلحات التي صكّها الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، لوصف السلوك الإيراني هو مصطلح "البلطجة الإيرانية".
وتأخذ هذه الظاهرة صورًا عدّة، أهمها- الاعتداءات الغاشمة بالصواريخ الباليستية والجوالة والمسيّرات على منشآتٍ عسكرية ومدنية في دول الخليج، وتعطيل الملاحة البحرية في مضيق هرمز، الذي يمر فيه خُمس احتياجات العالم من الطاقة (النفط والغاز)، وتوظيف أدوات القوة الحادة تجاه جيرانها من تخريب وخداع وتهويل وتنمر، ومعلومات مغلوطة، بالإضافة إلى التجسس، والحرب النفسية، والدعاية والحروب الإعلامية وقلب الحقائق؛ ما بات يُعرف بأدوات الجيل الخامس من الحروب.
وتضرب البلطجة الإيرانية في الصميم كل القواعد والأعراف التي تأسس عليها الأمن الإقليمي الخليجي. وتعيد تشكيل مفهوم أمن الخليج، وتفرض كبح "بلطجة المضائق"؛ وهي الظاهرة المزمنة التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط منذ عقود من الزمن، وارتبطت في معظمها بإيران منذ الحرب العراقية-الإيرانية؛ حيث اندلعت حرب الناقلات، وتم عسكرة مياه الخليج العربي.
ومن المفارقة أن إيران، التي كانت تدعو لعقودٍ طويلة إلى نظام للأمن الجماعي في المنطقة، تشارك فيه مع جيرانها "الأعزاء"، تحوّلت من شريكٍ محتمل إلى مهدّد حقيقي لأمن الخليج، وقلبت علاقات الصداقة بين ضفتي الخليج إلى عداء كامن. كما أن دعوة إيران إلى أن ترفع القوى الكبرى، وخاصةً الولايات المتحدة، يدها عن أمن الخليج لم يعد يؤيدها شيء من المنطق أو الواقع.
ولذلك، ترى دول الخليج أنّ مجرد وقف إطلاق النار ليس أولوية متقدمة، وإنما الأولوية تكمن في البحث عن حلول طويلة المدى تكبح مصادر التهديد الرئيسية: (الصواريخ الباليستية والجوالة، والمسيّرات، ومضيق هرمز، والوكلاء الإيرانيون)، ومنع تحولها إلى تهديد دائم. ومن ثم، فإنّ أي اتفاق محتمل لإنهاء هذه الحرب يجب أن يعالج مثالب الاتفاقات السابقة، سواء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 أو اتفاق وقف إطلاق النار في يونيو 2025. وهذه المثالب تتعلق بعدم إشراك دول مجلس التعاون الرئيسية في المفاوضات، وعدم أخذ مصادر تهديد أمنها الوطني في الاعتبار.
وتقوم الرؤية الخليجية لأمن الخليج بعد الحرب على ثلاثة أعمدة، تتمثل في تعزيز القدرات الوطنية، والتعاون الخليجي المشترك، وتعميق الشراكات الأمنية مع الولايات المتحدة. فتعزيز القدرات الدفاعية الوطنية، وخاصة الدفاع الجوي، ودعم الصناعات الدفاعية المحلية هي العمود الأول لأمن الخليج بعد الحرب. أما العمود الثاني، فيقوم على تعميق التعاون الخليجي المشترك في مجال الدفاع، والاستخبارات، ووضع آليات مؤسسية لترجمة الاتفاقات الأمنية بين دول مجلس التعاون، وخاصة اتفاقية الدفاع المشترك لعام 2000. وقد أوضحت الخبرة الراهنة أنه لا غنى لدول الخليج العربية من تعزيز الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة للحفاظ على أمن الخليج والاستقرار الإقليمي.
ولكنّ هذه الحرب كشفت مفاجأة مذهلة، خصوصًا في الإمارات، عن مستوى مختلف من الجاهزية الدفاعية الخليجية. فخلال عقدين، بنت دول الخليج منظومات دفاع متعددة الطبقات، تتكون من إنذار مبكر، ورادارات بعيدة المدى، وأنظمة اعتراض للصواريخ الباليستية والجوالة والمسيّرات. وقد اختُبرت هذه القدرات فعليًّا، حيث نجحت دول مجلس التعاون في اعتراض أغلب الهجمات الإيرانية.
ومن ثم، بات من الضروري تعزيز التكامل الدفاعي الخليجي، الذي من شأنه تقليص فعالية التهديدات الإيرانية، والمحافظة على توازن الأمن في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. إنّ دفع جهود التكامل الدفاعي الخليجي، مع تعميق الشراكات الاستراتيجية الأمنية مع الحلفاء الدوليين، هو وحده القادر على تأسيس منظومة ردع خليجية صُلبة وتحالفات أكثر متانة، ما من شأنه إعادة صياغة موازين القوة في المنطقة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة