ليست المنطقة اليوم أمام أزمة عابرة، بل أمام لحظة كاشفة تُعيد تعريف المفاهيم التي حكمت السياسة العربية لعقود.
في قلب هذه اللحظة، يتضح أن معركة النفوذ لم تكن يوماً مجرد صراع جغرافي، بل صراع بين نماذج: نموذج الدولة الوطنية ونموذج الأيديولوجيا، وما تكشفه الأحداث الجارية هو أن أحدهما فقط قادر على الصمود، بينما الآخر يتآكل تحت ضغط الواقع.
الرأي السياسي هنا واضح: المنطقة لم تعد تحتمل استمرار النموذج القديم الذي تمثله مؤسسات مثل الجامعة العربية ورابطة العالم الإسلامي، والتي أثبتت عجزاً متكرراً عن إدارة الأزمات أو حتى توصيفها بدقة، في اللحظات التي تتطلب وضوحاً وحسماً، اكتفت هذه المؤسسات ببيانات تقليدية، لا تُغيّر واقعاً ولا تحمي مصالح، وهذا ليس مجرد قصور إداري، بل خذلان واضح في لحظة كانت تحتاج إلى فعل لا إلى خطاب، وإلى قرار لا إلى تردد.
لكن لفهم عمق التحول، يجب الإقرار بحقيقة أكثر صراحة: الشرق الأوسط ظل لعقود محكوماً بثلاث قوى تقليدية شكلت توازناته إيران، وتركيا، وإسرائيل، هذه القوى لم تكن مجرد دول، بل مراكز نفوذ تاريخية أعادت صياغة الإقليم وفق مصالحها، بينما بقي العالم العربي في موقع رد الفعل، لا الفعل، وفي ظل هذا الثلاثي، كان الصوت العربي غالباً تابعاً أو متردداً، لا صانعاً للمشهد.
ومع ما تتعرض له إيران من ضغط عبر حرب (الغضب الملحمي) نحن أمام لحظة إعادة قراءة كاملة للمشهد الجيوسياسي، وهنا تتضح الفكرة الأهم: ما يحدث ليس فقط إضعاف قوة، بل سقوط نموذج كامل، نموذج قام على الأيديولوجيا، وعلى تصدير الفوضى، وعلى إدارة النفوذ عبر الوكلاء، وها هو اليوم يُختبر في أقسى مراحله، هزيمة هذا النموذج إن اكتملت لن تعني فقط نهاية نفوذ، بل بداية إعادة تشكيل الإقليم وفق قواعد جديدة.
في المقابل، يتقدم نموذج آخر، أكثر هدوءاً لكنه أكثر رسوخاً: نموذج الدولة.
وهنا تتقدم دولة الإمارات بوصفها التعبير الأوضح عن هذا التحول، ليس فقط في الفعل، بل في الموقف والخطاب معاً، فالموقف الإماراتي ثابت وصلب، وسرديته حاضرة بثقة وإقناع، ولغته واضحة تقوم على المنطق، في صلب التصدي للعدوان الإيراني الغاشم. الإمارات لم ترد هذه الحرب وسعت لتجنبها، لكن إرهاب المعتدي ونواياه المبيتة وعدوانه السافر فرض واقعاً مختلفاً، لم يكن بالإمكان تجاهله أو التهرب منه.
وفي هذه المعركة، لم يعد الصراع ميدانياً فقط، بل سردياً أيضاً، وهنا يظهر الفارق الحقيقي، حضور الموقف الإماراتي عبر مختلف المنابر لم يكن مجرد خطاب إعلامي، بل مكسب استراتيجي في معركة الرواية، حيث لا تقل الكلمة وزناً عن الفعل، ولا تقل السردية تأثيراً عن القوة، فالمعركة على الوعي لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض، ومن ينجح في صياغة الرواية، ينجح في توجيه إدراك العالم.
هذا النموذج لم يصمد فقط أمام الحملات التي استهدفته من قبل دعاة الإسلام السياسي، بل خرج منها أكثر وضوحاً وصلابة، الذين راهنوا على سقوطه، وعلى تفككه تحت الضغط، اكتشفوا أن المشكلة لم تكن في دولة الإمارات، بل في تقديرهم هم لطبيعة التحول الذي تشهده المنطقة، فقد سقط وهم أن الشعارات يمكن أن تبني دولة، وسقطت معه فكرة أن الأيديولوجيا قادرة على إدارة مجتمع أو حماية أمن.
دولة الإمارات أعادت تعريف الأمن ليس كحالة دفاع، بل كمنظومة شاملة تشمل الاقتصاد والطاقة والممرات الحيوية والاستقرار الداخلي، هذا الفهم يعكس جوهر الواقعية السياسية التي تفرض نفسها اليوم، واقعية لا تبحث عن المثال، بل عن الممكن، ولا تراهن على النوايا، بل على القدرات.
وبالتوازي، تتحرك بقية دول الخليج العربي ضمن هذا الإطار، بدرجات متفاوتة، إدراكاً منها أن المرحلة لم تعد تحتمل التردد، فالمخاطر لم تعد نظرية، والتهديد لم يعد بعيداً، والوقت لم يعد يسمح بإدارة الأزمات بالأدوات القديمة.
في هذه اللحظة، لم تعد الأسئلة القديمة ذات معنى، لا معنى للسؤال: من معنا ومن ضدنا؟ بل السؤال الحقيقي: أيّ نموذج قادر على البقاء؟
الإجابة بدأت تتضح بوضوح أكبر من أي وقت مضى: ما سقط هو وهم أن الأيديولوجيا يمكن أن تبني دولة أو تدير إقليماً، وما يتقدم هو نموذج الدولة الوطنية الذي يوازن بين القوة والتنمية والاستقرار، ويعرف كيف يحمي نفسه ويؤثر في محيطه.
ما بعد إيران -إن تحقق- لن يكون مجرد فراغ في القوة، بل لحظة اختبار حقيقية: من يملأ هذا الفراغ؟، وبأي نموذج؟، هل تعود المنطقة إلى دورات الفوضى، أم تنتقل إلى مرحلة أكثر استقراراً تقودها نماذج واقعية؟
الشرق الأوسط أمام مفترق حاسم: إما الانتقال إلى نموذج جديد يُدار بالواقعية السياسية، أو البقاء في دائرة الشعارات التي أثبتت فشلها مراراً، وفي مثل هذه اللحظات، لا يُقاس الفاعلون بما يقولونه، بل بما ينجحون في بنائه، وما يثبتونه على الأرض.
والتاريخ كما أثبتت التجربة، لا يمنح الأفضلية لمن يرفع الصوت، بل لمن يملك النموذج القادر على الاستمرار وصناعة المستقبل.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة