«الفيزا» سلاح ذو حدين.. مكاسب اقتصادية ومخاطر اجتماعية
عاد النقاش بقوة حول مستقبل النقود الورقية في ظل التوسع المتسارع لأنظمة الدفع الرقمية.
وألقى تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية الضوء على ذلك الأمر بعدما أثارت تجربة صحفية تعتمد على استخدام النقد فقط لمدة أسبوع موجة من التعليقات التي كشفت أبعادًا اجتماعية واقتصادية أعمق مما يبدو على السطح.
وأظهرت ردود القراء أن النقود الورقية لا تزال تمثل عنصرًا أساسيًا في حياة فئات واسعة، خاصة في المناطق الريفية. فهناك، يعتمد الناس على النقد في المعاملات اليومية البسيطة، مثل وسائل النقل المحلية أو الشراء من المتاجر.
ووفقا لتقرير الصحيفة، لا تعكس هذه الاستخدامات مجرد تفضيل تقني، بل ترتبط بطبيعة الحياة الاجتماعية نفسها، حيث يلعب الدفع النقدي دورًا في تعزيز التفاعل المباشر بين الأفراد. فالمعاملات النقدية غالبًا ما تترافق مع تواصل شخصي يساهم في تقوية الروابط المجتمعية، وهو ما يتراجع تدريجيًا مع انتشار الدفع الإلكتروني.
البعد الاجتماعي للتحول الرقمي
أحد أبرز المخاوف التي أشار إليها المشاركون في النقاش هو خطر ما يمكن وصفه بـ“الإقصاء المالي الرقمي”. فمع انتقال المؤسسات والمتاجر إلى أنظمة الدفع الإلكتروني فقط، يصبح بعض الأفراد – خاصة كبار السن أو ذوي الدخل المحدود – عرضة للتهميش.
هذا التحول قد يبدو منطقيًا من منظور الكفاءة الاقتصادية، لكنه يطرح تساؤلات حول العدالة الاجتماعية. فليس كل المواطنين يمتلكون بطاقات مصرفية أو هواتف ذكية أو مهارات رقمية، وهو ما يجعل الاعتماد الكامل على الدفع الإلكتروني نوعًا من الحواجز غير المباشرة أمام الوصول إلى الخدمات.
الاقتصاد غير المرئي للنقد
ووفقا للتقرير، يعد النقد أيضًا أداة لضبط الإنفاق الشخصي. إذ يشير العديد من المستخدمين إلى أن الدفع النقدي يمنحهم إحساسًا ملموسًا بقيمة الأموال، مما يساعدهم على اتخاذ قرارات إنفاق أكثر وعيًا، خاصة في فترات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
في المقابل، يسهم الدفع الإلكتروني في تقليل الشعور الفوري بتكلفة الشراء، ما قد يؤدي إلى زيادة الاستهلاك غير المخطط له. ولهذا يرى بعض الخبراء أن اختفاء النقد قد يؤثر سلوكيًا على أنماط الادخار والإنفاق لدى الأفراد.
كما يثير هذا التحول تساؤلات حول السياسات الحكومية. فعمل تخفيضات للدفع بالفيزا قد يُنظر إليه باعتباره عبئًا إضافيًا على الفئات الأقل قدرة ويعمّق الشعور بعدم العدالة لدى المستخدمين.
ومن القضايا القانونية التي أعاد التقرير طرحها مسألة إلزام المتاجر بقبول النقود. فالكثيرون يعتقدون أن “النقد قانوني ويجب قبوله”، لكن الواقع أن التشريعات في عدة دول تسمح للمتاجر باختيار وسائل الدفع التي تقبلها، ما يفتح الباب أمام انتشار المتاجر الخالية تمامًا من النقد.
وأكد التقرير على أن التحول الرقمي يوفر سرعة وكفاءة وأمانًا، لكنه قد يحمل مخاطر اجتماعية إذا لم تُصمم السياسات بطريقة تراعي جميع الفئات. والتحدي الحقيقي أمام الحكومات والمؤسسات المالية هو ضمان أن يكون التقدم التكنولوجي شاملًا، بحيث لا يتحول إلى عامل إقصاء، بل إلى أداة تدعم العدالة الاقتصادية والاجتماعية في آن واحد