دبلوماسية الظل.. لقاءات سرية تمهد لاتفاق أمريكي-كوبي
يبدو أن المحادثات التي شهدتها كوبا قد بدأت تؤتي ثمارها، حتى مع استعداد الولايات المتحدة لاحتمال نشوب حرب.
ففي الوقت الذي تعهد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ببدء "فجر جديد" لكوبا، ربما بالقوة العسكرية، تواصل إدارته محادثات دبلوماسية رفيعة المستوى يبدو أنها تحقق بعض النتائج الملموسة، وذلك وفقا لما ذكره موقع "ريسبونسيبل ستايت كرافت".
وقبل أيام، أكدت صحيفة "نيويورك تايمز" ووكالة "أسوشيتد برس" تقريرًا نشره موقع "أكسيوس" حول هبوط طائرة حكومية أمريكية تقل وفدًا رفيع المستوى من وزارة الخارجية في العاصمة الكوبية هافانا في 10 أبريل/نيسان الجاري لإجراء محادثات مباشرة مع مسؤولين كوبيين، بالإضافة إلى لقاء جانبي مع راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، حفيد الزعيم راؤول كاسترو، المعروف باسم "السرطان".
ووفقا للتقارير فقد تناولت هذه المحادثات إطلاق سراح السجناء، والإصلاحات الاقتصادية، وتوفير خدمة الإنترنت، وقضايا الملكية، والحريات السياسية في الجزيرة.
وذكرت صحيفة "يو إس إيه توداي" الأحد الماضي أن المسؤولين الأمريكيين منحوا كوبا مهلة أسبوعين لإطلاق سراح سجناء سياسيين بارزين، من بينهم الفنانان لويس مانويل أوتيرو ألكانتارا ومايكل أوسوربو من حركة "سان إيسيدرو" المعارضة، كبادرة حسن نية في ظل "فرصة محدودة" للتوصل إلى اتفاق قبل تفاقم الأزمة الإنسانية في الجزيرة.
ويوم الإثنين الماضي، أكد مسؤول في وزارة الخارجية الكوبية إجراء محادثات مع الأمريكيين وصفها بالمهنية وأنها شهدت احتراما متبادلا، وقال إنه لم يتم تحديد أي مواعيد نهائية أو إصدار أي تهديدات من أي من الجانبين.
وقالت الخارجية الأمريكية إن وزير الخارجية ماركو روبيو لم يقم بزيارة كوبا دون أن توضح هوية المسؤولين الذين زاروا الجزيرة.
من جانبها، أعلنت كوبا أن الاجتماعات عقدت بين نواب وزير خارجيتها و"مساعدي وزراء الخارجية" الأمريكيين، في إشارة على الأرجح إلى المسؤول الرفيع في مكتب شؤون نصف الكرة الغربي مايكل كوزاك، أو غيره من المسؤولين بالوزارة ووزارتي الأمن الداخلي والعدل.
ويبدو أن هذا الوفد السري هو أرفع وفد حكومي أمريكي يزور كوبا منذ انفتاح الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما التاريخي على الجزيرة عام 2016 قبل أن تتراجع إدارة ترامب الأولى عن جهود تطبيع العلاقات.
وفي عهد الرئيس السابق جو بايدن، استقبل كبار مسؤولي وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي كبار المسؤولين الكوبيين في واشنطن، كما زار الجزيرة نائبان لمساعدي وزير الخارجية، بالإضافة إلى مساعد وزير الخارجية للشؤون القنصلية.
ويتفاوض كوزاك مع السلطات الكوبية منذ عقود واستخدم في الثمانينيات اسمًا مستعارًا قبل أن يشغل منصب رئيس قسم المصالح الأمريكية في هافانا لمدة ثلاث سنوات في منتصف التسعينيات.
وفي جلسة استماع بمجلس النواب الأمريكي الخميس الماضي، ضغط النائب الديمقراطي خواكين كاسترو على كوزاك للحصول على مزيد من المعلومات حول المحادثات لكنه رفض.
وكان موقع "أكسيوس" قد نشر خبر "المفاوضات التاريخية" يوم الجمعة الماضي، ونقل عن مسؤول في وزارة الخارجية قوله "الرئيس ترامب ملتزم بالحل الدبلوماسي، لكنه لن يسمح بانزلاق الجزيرة إلى تهديد خطير للأمن القومي".
ويأتي هذا الاجتماع في ظل الحصار شبه الكامل الذي تفرضه الإدارة الأمريكية على الجزيرة، وأدى إلى توقف وسائل النقل العام، وتفاقم انقطاع التيار الكهربائي في جميع أنحاء الجزيرة، وخلق ما يعتبره كثير من الكوبيين وضعًا "لا يطاق".
وقال مسؤول في وزارة الخارجية الكوبية: "كان رفع الحصار المفروض على كوبا في مجال الطاقة أولوية قصوى لوفدنا".
كانت إدارة ترامب قد خففت في أواخر مارس/آذار الماضي ضغوطها على كوبا بالسماح لناقلة نفط روسية بالوصول إلى هافانا ومن المقرر وصول ناقلة أخرى في أواخر الأسبوع المقبل كما أرسلت مساعدات إنسانية بقيمة 6 ملايين دولار إلى شرق كوبا، وسمحت لشركات القطاع الخاص باستيراد الوقود إلى الجزيرة، بما في ذلك من فنزويلا.
وأفادت التقارير بأن تجار الوقود في مدينة ميامي الأمريكية يسعون للحصول على ترخيص أمريكي لتزويد نظام الصحة العامة الكوبي المنهك بالديزل، وهو ما أكد كوزاك أنه سيكون وسيلة لدعم المدنيين الكوبيين.
وأفرجت كوبا عن سجناء سياسيين وعاديين من خلال وساطة الفاتيكان، وخففت القيود المفروضة على المشروعات الخاصة، وبادرت إلى التواصل مع جاليتها في الولايات المتحدة.
وبينما تنفي الولايات المتحدة وجود أي "عمليات محددة ووشيكة ضد كوبا قيد الدراسة"، ذكرت صحيفة "يو إس إيه توداي" أن البيت الأبيض أمر وزارة الحرب (البنتاغون) ووكالات أخرى بتسريع الاستعدادات لعمل عسكري في الجزيرة ويوم الخميس الماضي، نفذت مسيرة استطلاع تابعة للبحرية الأمريكية مهمة غير معتادة حول كوبا.
في المقابل، وعد الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل أكثر من مرة بمقاومة أي هجوم أمريكي عبر حرب العصابات.
ورغم اللهجة الحادة من كلا الجانبين، يبدو أن اتفاقًا شاملًا قد بدأ يتبلور ومن المرجح أن يعترض روبيو والقادة المتشددون المناهضون للشيوعية في الجالية الكوبية الأمريكية بفلوريدا على أي اتفاق لا يتطلب تغييرات سياسية جذرية.
لكن الخيارات الأخرى المتاحة أمام واشنطن مثل فرض عقوبات أشد، أو شن حملة عسكرية، أو عدم اتخاذ أي إجراء تشكل جميعها مخاطر سياسية كبيرة لإدارة ترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وفي تصريحات لـ"يو إس إيه توداي"، قال رئيس المجلس التجاري والاقتصادي الأمريكي الكوبي، جون كافوليتش: "لا أعتقد أن أحداً سيتفاجأ إذا رأينا في النهاية ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في هافانا يتفاوضان مع الحكومة الكوبية على اتفاق" في إشارة إلى مبعوث ترامب وصهره.