تصعيد ترامب يقلص خيارات إيران.. «ضربة يونيو» نقطة تحول
لسنوات، أصرت إيران على أنها لن تتفاوض مع الولايات المتحدة تحت الضغط، لكنها اليوم تراجعت عن موقفها.
ويمثل إعلان الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان توجيه وزير خارجيته عباس عراقجي ببدء مفاوضات مع الولايات المتحدة تحولاً جذرياً بالنسبة لطهران كما أنه يكشف كيف تشعر القيادة الإيرانية بالضغط المتزايد الذي تتعرض له.
جاء هذا التحول بعد الضربات الأمريكية على المواقع النووية الإيرانية الصيف الماضي ثم تصاعد الاضطرابات الداخلية، وأخيرا إعلان البيت الأبيض استعداده لدفع إيران إلى حافة الهاوية بشأن برنامجها النووي.
ويبدو أن نهج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي غالباً ما يصفه منتقدوه بأنه سياسة نووية متهورة يؤثر الآن بشكل مباشر على حسابات إيران، وذلك وفقا لما ذكرته مجلة "نيوزويك" الأمريكية التي أشارت إلى أن ترامب غيّر المعادلة من خلال ربط أي محادثات بالبرنامج النووي الإيراني ودعم هذا المطلب بتهديدات بعمل عسكري جديد.
وبحسب "نيوزويك" فإن سبب نجاح ترامب في مقابل فشل جميع الرؤساء الأمريكيين السابقين هو الضربات التي أمر بشنها على المواقع النووية الإيرانية الصيف الماضي والتي مثلت نقطة تحول.
ورغم أن هذه الضربات لم تدمر منشآت تخصيب اليورانيوم الرئيسية في إيران "تدميراً كاملاً وشاملاً" كما ادعى ترامب إلا أنها ألحقت أضراراً جسيمة، حيث رجحت وزارة الحرب (البنتاغون) أن البرنامج النووي قد تأخر نحو عامين.
والأهم، أن هذه الضربات زعزعت النظام الإيراني وأدخلته في حالة جديدة من عدم اليقين حيث ضعف موقف طهران في الوقت الذي تواجه فيه ضغوطاً اقتصادية وعزلة إقليمية واحتجاجات داخلية متصاعدة.
والأسبوع الماضي، حذر ترامب إيران من أن "الوقت ينفد" وأنها قد تواجه هجوماً "أسوأ بكثير" من ضربات الصيف الماضي وكتب على منصته "تروث سوشيال" للتواصل الاجتماعي: "أسطول ضخم يتجه نحو إيران.. يتحرك بسرعة، بقوة وحماس كبيرين.. إنه أسطول أكبر، بقيادة حاملة الطائرات العظيمة أبراهام لينكولن، من ذلك الذي أُرسل إلى فنزويلا".
وبينما تراقب طهران الوضع عن كثب، أوضح ترامب أن القضية النووية غير قابلة للتفاوض وعلى عكس الإدارات السابقة التي سعت إلى تخفيف التوترات أولاً ثم محاولة حل النزاعات النووية لاحقاً، فإن ترامب يعكس هذا النهج.
ونقلت وكالة "رويترز" عن مصادر قولها إن القيادة الإيرانية تخشى أن تنهي ضربة أمريكية جديدة سيطرة النظام على السلطة.
ووفقًا لعدد من المسؤولين الحاليين والسابقين، فقد تم تحذير المرشد الإيراني علي خامنئي من أن الغضب الشعبي بعد حملة قمع الاحتجاجات قد بلغ ذروته كما أن تجدد الضغوط الخارجية قد يشجع الإيرانيين على العودة إلى الشوارع وإرباك قوات الأمن.
ولم يكن بزشكيان ليتخذ خطوة التفاوض دون موافقة خامنئي الذي رفض دائما إجراء محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة، معتبراً ذلك دليلاً على الضعف لذا فإن تغير موقفه يشير إلى أن النظام مُحاصر، وفق نيوزويك.
وفي أوساط اليمين المتشدد الأمريكي، يسود التوجه نحو الالتفاف حول موقف ترامب المتشدد تجاه إيران. وقال السيناتور الجمهوري ريك سكوت الشهر الماضي: "إذا بدأوا في بناء منشآت نووية، نعم، أعتقد أن ترامب سيقصفهم قصفاً شاملاً".
والأسبوع الماضي، قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن إيران "ربما تكون أضعف من أي وقت مضى" وسط المعارضة الداخلية والانهيار الاقتصادي.
وحذر وزير الحرب بيت هيغسيث، إيران من السعي لامتلاك أسلحة نووية، قائلاً إن الولايات المتحدة مستعدة للتحرك وأضاف أن إيران "لا ينبغي لها السعي لامتلاك أسلحة نووية".
وفي المقابل، انتقد كثيرون داخل اليسار الأمريكي ضغوط ترامب وتهديداته تجاه إيران، ووصفوها بأنها خطيرة وربما غير دستورية، وحذر الديمقراطيون من تجدد الضربات العسكرية، وقالوا إنها قد تقوي النظام بدلا من إضعافه.
وقال زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر: "يجب مناقشة هذا الأمر في الكونغرس.. فقانون صلاحيات الحرب، والدستور، يتطلبان نقاشًا في الكونغرس.. ولم نتلقَّ أي اتصال من الإدارة حتى الآن".
ويعد السيناتور الديمقراطي جون فيترمان استثناءً، إذ يؤيد الضربات المحتملة على إيران وقال لشبكة "سي إن إن" الإخبارية الأمريكية "لماذا لا نرغب في اتخاذ إجراءات محددة الأهداف قادرة على كسر هذا النظام؟"
ولا يعني الضغط الفعال الذي يمارسه ترامب على النظام أن التوصل إلى اتفاق بات وشيكًا، أو حتى مرجحًا لكن مجرد التفكير في إجراء محادثات يكشف أن طهران بدأت تولي اهتمامًا.
ورغم أن استراتيجية ترامب خطيرة في ظل مخاطر سوء التقدير، إلا أن التحول المفاجئ لإيران يشير إلى أن سياسة حافة الهاوية، عندما يتم دعمها بإجراءات فعالة، يمكن أن تحقق نفوذًا فطهران تسعى الآن إلى إجراء محادثات ليس لأنها تثق بواشنطن، بل لأنها تخشى ما سيحدث لاحقًا إن لم تتم المفاوضات.