تمثال ترامب.. «رهينة» ينتظر «الفدية»
بينما يرقد تمثال برونزي عملاق مطلي بالذهب للرئيس الأمريكي دونالد ترامب داخل مسبك في تلال ولاية أوهايو، تحوّل العمل الفني الذي يوثّق لحظة نجاته من محاولة اغتيال إلى محور نزاع مالي وقانوني محتدم بين نحاته والجهة التي كلّفته بتنفيذه.
التمثال، الذي يبلغ ارتفاعه 5 أمتار ونصف، أنجزه النحات الأمريكي آلان كوتريل (73 عامًا)، الذي يشتهر بصناعته تماثيل برونزية لـ16 رئيسًا أمريكيًا سابقًا، إضافة إلى تمثال لتوماس إديسون معروض في قاعة التماثيل بمبنى الكابيتول.
ويجسّد العمل، وفقا لصحيفة التايمز البريطانية، لحظة رمزية من حادثة بتلر في بنسلفانيا، حيث يظهر ترامب رافعًا قبضته في الهواء بعد نجاته من رصاصة قاتل محتمل.
بدأ المشروع في أغسطس/آب 2024، عندما تواصلت مع كوتريل مجموعة تتألف من 16 رجل أعمال في مجال العملات المشفّرة، أرادوا -حسب وصفهم- تخليد "إحدى أكثر اللحظات رمزية في التاريخ الحديث"، تقديرًا لترامب ولمواقفه المؤيدة للعملات الرقمية.

وافق كوتريل على تنفيذ التمثال مقابل 300 ألف دولار، في جدول زمني مضغوط، إذ كان من المخطط الكشف عنه خلال حفل تنصيب ترامب لولاية ثانية.
لكن الخطة انهارت في اللحظة الأخيرة، بعدما أبدى جهاز الخدمة السرية مخاوف أمنية من وضع تمثال بهذا الحجم والوزن داخل قاعة "كابيتال وان أرينا" قبل موكب التنصيب، ما أدى إلى إلغاء الحدث.
ومنذ ذلك الحين، تنقّل التمثال بين عدة مستودعات في واشنطن وبيتسبرغ، قبل أن يستقر في ورشة كوتريل بأوهايو، فيما بدأت العلاقة بين الفنان ورعاته تشهد توترًا متصاعدًا.
يقول كوتريل إن الدفعات المالية كانت تصل متأخرة باستمرار، وإنه اضطر إلى تحمّل تكاليف إضافية ضخمة، على غرار فناني عصر النهضة الذين كانوا يمولون أعمالهم انتظارًا لسداد الرعاة.
ويؤكد أن الرعاة لا يزالون مدينين له بمبلغ 91200 دولار، مشددًا على أنه لن يسلّم التمثال قبل الحصول على مستحقاته كاملة، واصفًا العمل الفني بأنه "رهينة" حتى إشعار آخر.
وتفاقم الخلاف، بحسب كوتريل، عندما اكتشف أن المجموعة أطلقت عملة رقمية ساخرة تحمل اسم "باتريوت توكن"، مستخدمة صورة التمثال لأغراض ترويجية دون الحصول على حقوق الملكية الفكرية. ويؤكد أن الاتفاق ينص على بيع التمثال المادي فقط، لا حقوق الاستنساخ أو الاستخدام التجاري، معتبرًا ما جرى انتهاكًا صريحًا لحقوق النشر الخاصة به.
وفي المقابل، ردّ الرعاة ببيان قالوا فيه إنهم سددوا ثمن التمثال بالكامل منذ أكثر من عام، ودفعوا مؤخرًا كامل تكلفة تغطيته بورق ذهب عيار 23.75 قيراط، إضافة إلى تسديد 50% من حقوق الملكية الفكرية قبل نحو 6 أشهر.
واعتبر داستن ستوكتون، أحد ممثلي المجموعة، أن مطالبة كوتريل بالمبلغ المتبقي قبل التسليم محاولة "ابتزاز"، مؤكدًا أن الاتفاق ينص على دفع أي مبالغ متبقية قبل نقل التمثال إلى وجهته النهائية.

وكان كوتريل قد اقترح، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تغطية التمثال بورق الذهب بدل الاكتفاء بتلميعه ليبدو ذهبيًا، وهو اقتراح لاقى موافقة فورية من الرعاة. وتم تنفيذ عملية التذهيب في ديسمبر/ كانون الأول داخل ورشته بأوهايو، باستخدام ورق ذهب فائق الرقة من إنتاج شركة متخصصة في نيويورك سبق لها توريد مواد مماثلة لمشاريع في البيت الأبيض.
الوجهة النهائية المخطط لها هي منتجع ترامب الوطني للغولف في دورال بولاية فلوريدا، حيث جرى بالفعل تركيب قاعدة خرسانية تزن نحو 6000 رطل، وتجهيز الموقع بالإضاءة وتنسيق الحدائق.
ورغم الحديث عن حفل ضخم لرفع الستار عن التمثال قد يحضره الرئيس نفسه، فإن ترامب لم يشارك رسميًا في المشروع، فيما أكد نجله إريك، في منشور على منصة "إكس"، أن عائلة ترامب غير مرتبطة بالعملة الرقمية التي أطلقتها المجموعة.

ومع استمرار الخلاف، يصر كوتريل على الاحتفاظ بالتمثال حتى تسوية جميع المستحقات، قائلًا: "لا أستطيع أن أثق بأنهم سيدفعون خلاف ذلك".
وبين روايتين متعارضتين، يبقى التمثال الذهبي العملاق في أوهايو، شاهدًا على صدام معقّد بين الإبداع الفني، والسياسة، والمال، وحقوق الملكية الفكرية في زمن العملات المشفّرة.