الولاية الثالثة.. هكذا يلج «الفيل» الأمريكي في سَمِّ الخياط

تحول الحديث حول رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولاية ثالثة من قفزة في فراغ الخيال إلى هاجس يؤرّق المشهد السياسي في البلد التي تتزعم "العالم الحر".
وبينما يرى أنصار ترامب في هذه التصريحات مجرد مناورة تكتيكية لتحفيز قاعدته الانتخابية، يطرح خبراء القانون والسياسة تساؤلات عميقة حول مدى مرونة النظام الدستوري الأمريكي في مواجهة محاولات تفكيك الثوابت الديمقراطية، خاصة في ظل تصاعد الخطاب الشعبوي الذي يعيد تعريف مفاهيم السلطة والشرعية، بحسب مجلة "نيوزويك".
ويُعد التعديل الدستوري الثاني والعشرون، الذي أُقِر عام 1951 ردًّا على تجربة الرئيس فرانكلين روزفلت، الذي حكم لأربع فترات (1933–1945)، حجر الزاوية في منع تركز السلطة.
وينص التعديل بوضوح على أنه "لا يجوز انتخاب أي شخص لمنصب الرئيس أكثر من مرتين"، مما يحول دون أي تأويلات قانونية تسمح بفترة ثالثة.
لكن ترامب، المعروف بميله لتحدي الأعراف، يبدو مصممًا على اختبار حدود هذا النص، حيث صرّح لكريستين ويلكر من شبكة "إن بي سي" قائلًا: "هناك طُرق قانونية للقيام بذلك.. الدستور ليس حجرًا منحوتًا".
ويرى جيريمي تشين، الخبير الدستوري في جامعة واشنطن، أن أي محاولة لتمديد ولاية ترامب ستتطلب تغييرًا جذريًا في البنية السياسية الأمريكية، قد يؤدي إلى تفرد غير مسبوق بالسلطة.
وقال: "السيناريو الأكثر قتامة هو تحويل النظام الرئاسي إلى شبه ديكتاتورية، حيث تُلغى الضوابط والتوازنات لصالح إرادة فرد واحد إذا تمكّن ترامب من البقاء في السلطة بعد عام 2029".
كما قد يستخدم سلطاته بشكل أكثر تشددًا لتحقيق أهدافه السياسية، وقد يكون لذلك تأثير سلبي في الحقوق المدنية والحريات العامة، خاصة في ضوء تصريحاته السابقة حول قمع المعارضة.
وقد تكون هناك محاولات لتقليص دور الاحتجاجات السياسية وتوسيع القوانين التي تُجرّم المعارضة العلنية.
وعلى الصعيد السياسي، قد يشهد المشهد الداخلي الأمريكي صراعات قانونية وميدانية حول شرعية استمراره في الحكم، حيث قد تؤدي مثل هذه الخطوات إلى تغييرات جوهرية في التوازن بين السلطات الثلاث: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية.
أما في مجال السياسة الخارجية، فمن المحتمل أن يستمر ترامب في سياساته المعروفة بالانعزالية، حيث يفضّل الحد من تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الدولية والتركيز على المصالح الوطنية فقط.
وهذا قد يخلق توترًا مع الحلفاء التقليديين ويؤدي إلى انسحابات من التحالفات الدولية، مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو). في المقابل، قد تعزز هذه السياسات من موقفه لدى قاعدة مؤيديه التي تفضّل سياسات "أمريكا أولًا".
لكن غاري روز، أستاذ العلوم السياسية في جامعة "ساكريد هارت"، يرى أن التقاليد المؤسسية الأمريكية ستكون حاجزًا أمام أي محاولة لاختراق التعديل الـ22، قائلًا: "الناخبون والقضاء والكونغرس يشكلون معًا جدارًا منيعًا ضد الاستبداد. حتى لو نجح ترامب في الفوز بولاية ثالثة عبر ثغرة قانونية، فإن المؤسسات ستعمل على عرقلة أي انحراف عن الدستور".
سيناريوهات الانهيار الديمقراطي.. من الخدع القانونية إلى الانقلاب العسكري
ولا تقتصر المخاوف على الجانب الدستوري، بل تمتد إلى احتمالات استخدام أدوات "شبه قانونية" أو عنيفة للاحتفاظ بالسلطة. يوضح فيل تشين من جامعة دنفر سيناريوهين رئيسيين:
السيناريو "القانوني الملتوي":
تشير "نيوزويك" إلى أن الجمهوريين قد يحاولون، في حال سيطرتهم على الكونغرس والولايات، انتخاب رئيس صوري (مثل نائب ترامب) ونائب رئيس (شخصية هامشية)، ثم دفعهما للاستقالة بشكل متزامن، ليصبح ترامب -بصفته رئيس مجلس النواب- الرئيس الجديد وفقًا لترتيب الخلافة.
ورغم أن هذا السيناريو يبدو نظريًا، فإن تشين يحذّر من أن "تآكل ثقة الجمهور في الانتخابات قد يجعل مثل هذه المناورات مقبولة لدى شريحة من الناخبين".
السيناريو الانقلابي:
قد يشمل تعليق الانتخابات بحجة "حماية الأمن القومي"، أو استخدام القوات الفيدرالية لقمع الاحتجاجات المناهضة، أو حتى تحالف ترامب مع قوى عسكرية أو أمنية لفرض سيطرته. هنا، تُصبح الولايات المتحدة مشابهة لأنظمة شهدت انقلابات ناعمة، مثل تركيا أو فنزويلا، مع تداعيات كارثية على مكانتها الدولية.
الردود الدولية والمحلية.. بين العزلة والاحتجاجات
لا تقتصر تداعيات ولاية ثالثة لترامب على الداخل الأمريكي، بل قد تُعيد تشكيل التحالفات العالمية. فوفقًا لتقرير صادر عن معهد "بروكينغز"، قد تفرض دول الاتحاد الأوروبي عقوبات اقتصادية على الولايات المتحدة في حال اعتبرت أن النظام الديمقراطي الأمريكي قد انهار، في حين قد تستغل روسيا والصين الفوضى لتعزيز نفوذهما الإقليمي.
وعلى الصعيد الداخلي، يتوقع محللون أن تشهد المدن الكبرى مثل نيويورك ولوس أنجلوس احتجاجات واسعة، قد تتحول إلى مواجهات عنيفة بين أنصار ترامب ومجموعات مناهضة مثل "أنتيفا" أو "حياة السود مهمة".
وفي هذا السياق، يقول تي. جي. ماكورماك، خبير الاتصال الجمهوري: "الحديث عن ولاية ثالثة هو سلاح ذو حدين؛ فقد يُوحِّد المعارضين أكثر مما يُعزّز قاعدة ترامب".
بالإضافة إلى التحديات الدستورية والسياسية، يُطرح عمر ترامب -الذي سيبلغ 82 عامًا بحلول انتخابات 2028- كتساؤل حول قدرته الجسدية والعقلية على إدارة الدولة.
ويُشير تقرير لـ"مركز بيو للأبحاث" إلى أن 67% من الأمريكيين يعتقدون أن وجود رئيس فوق الـ75 عامًا "يشكل خطرًا على استقرار البلاد"، وهي نسبة قد تعوق أي محاولة لترامب لتغيير التاريخ.
aXA6IDMuMTUuMTg3LjIwNSA=
جزيرة ام اند امز