بعض الأحداث لا تُقاس بما تُحدثه من ضجيج، بل بما تكشفه من حقائق. والسابع عشر من يناير كان من هذا النوع؛ يومًا لم يكن صاخبًا في نتائجه، لكنه عميق في دلالاته.
في ذلك اليوم، تعرّضت دولة الإمارات لاستهداف إرهابي أراد أن يبعث برسالة تتجاوز حدود الفعل نفسه. لم يكن المقصود موقعاً بعينه، ولا منشأة محددة، بل فكرة الدولة الآمنة، ومحاولة اختبار قدرتها على الصمود تحت الضغط.
غير أن ما تلا الحدث كان أكثر أهمية من الحدث ذاته.
لم تتعامل الدولة مع الحدث بوصفه صدمة تُربك القرار، ولا سمحت له بأن يفرض إيقاعه على مؤسساتها. كان الرد هادئاً ومحسوباً، يُدار بمنهج دولة تعرف متى تحتوي اللحظة، ومتى تمضي بثبات دون أن تغير مسارها أو تنجرف خلف الانفعال. بدا المشهد وكأن الدولة اختارت أن تُجيب بالفعل، لا بالصوت.
هنا يتجلّى معنى العزم.
العزم ليس صلابة الخطاب، ولا حدّة اللغة، بل القدرة على الاستمرار بنفس الاتجاه حين يُراد لك أن تنحرف. هو أن تحمي أمنك دون أن تفقد اتزانك، وأن ترد دون أن تُستدرج، وأن تُثبت أن الاستهداف لا يفرض شروطه على القرار السيادي.
إن استهداف دولة الإمارات حمل في جوهره محاولة للضغط على الدولة وتقييد دورها الإقليمي في محاربة الإرهاب، غير أن الرد الحقيقي جاء في استمرار هذا الدور دون تراجع. فالدول التي تبني سياساتها على وضوح الرؤية لا تغيّر مواقعها تحت التهديد، ولا تسمح لقوى الإرهاب بأن ترسم لها حدود الحركة أو تفرض عليها معادلات الخوف.
وفي مثل هذه اللحظات، تظهر الفوارق بين الدول، فهناك من يرفع السقف ليخفي هشاشته، وهناك من يضبط الإيقاع لأنه واثق من أساسه.
استحضار 17 يناير/كانون الثاني اليوم لا ينبغي أن يكون بوصفه ذكرى ألم، بل لحظة كشفت جوهر الدولة حين وُضعت تحت الضغط؛ دولة لا تبالغ في الرد، ولا تقلل من الخطر، لكنها تُدير التحديات بعقل متزن وإرادة ثابتة، وتحولها إلى وعي واستعداد.
ففي ذلك اليوم، لم تُختبر القدرة الأمنية بقدر ما اختُبر ثبات القرار، ولم يكن العزم ردًّا على حدث، بل مبدأ حكم، يفسّر ما عبر عنه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، بقوله:
«نحن دعاة سلام وخير ومحبة، لكننا في الوقت ذاته أصحاب عزم وهمّة حينما يتعلق الأمر بتهديد أمننا».
وهو مبدأ يوضح لماذا لم يكن 17 يناير يوم انفعال، بل يوم ثبات.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة