الإمارات والهند.. نقلة نوعية في العلاقات الثقافية والأكاديمية
يشهد التعاون الثقافي والعلمي والأكاديمي بين دولة الإمارات والهند نموًا متناميًا، ومن المتوقع أن يتلقى دفعة قوية، في أعقاب زيارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، إلى الهند.
وبدأ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الإثنين، زيارة عمل إلى الهند يبحث خلالها مع ناريندرا مودي رئيس وزراء الهند مختلف جوانب التعاون والعمل المشترك في إطار العلاقات التاريخية والشراكتين الاستراتيجية والاقتصادية الشاملتين بين دولة الإمارات والهند.
تعد الزيارة هي الخامسة التي يجريها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان منذ تولي ناريندرا مودي مهام منصبه عام 2014، فيما أجرى رئيس وزراء الهند 7 زيارات للإمارات خلال الفترة نفسها.
وتشكل الزيارات المتبادلة محطات مهمة في مسيرة تعزيز العلاقات الثنائية وتطويرها في المجالات كافة.
كان من أبرز نتائج تلك الزيارات توقيع عشرات الاتفاقيات لتعزيز العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات، ومن بينها الجانب الثقافي.
ويرتقب أن تسهم نتائج الزيارة في تعزيز العلاقات بين البلدين على مختلف الأصعدة، ولا سيما في قطاع الثقافة والعلوم والذكاء الاصطناعي.
وكان التعاون بين البلدين قد شهد نقلة نوعية، بعد اتفاق البلدين الارتقاء بعلاقاتهما إلى مستوى شراكة استراتيجية، خلال القمة التي جمعت الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ومودي بالهند في يناير/ كانون الثاني 2017.
معارض الكتب
تأتي زيارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى الهند في وقت يجني فيه البلدان، ثمار توجيهات القيادة الحكيمة في البلدين، بتعزيز التعاون على مختلف الأصعدة.
ظهر ذلك جليا في النقلة النوعية التي تشهدها علاقات البلدين الثقافية، والتي تتجلى في المشاركة المتزايدة في معارض الكتب والمهرجانات الثقافية، إضافة إلى الاجتماعات الدبلوماسية المشتركة، المعنية بتعزيز التعاون الثقافي والأكاديمي.
تأتي الزيارة غداة اختتام مشاركة الإمارات في معرض نيودلهي الدولي للكتاب 2026، الذي أقيم خلال الفترة من 10 إلى 18 يناير/كانون الثاني الجاري في مركز بهارات ماندابام للمؤتمرات في براغاتي ميدان بالعاصمة الهندية نيودلهي.
وشارك في المؤتمر جهات إماراتية عدة من أبرزها هيئة الشارقة للكتاب ومركز أبوظبي للغة العربية.
تأتي تلك المشاركة في إطار حرص تلك الجهات على تعزيز حضور الإمارات في المشهد الثقافي العالمي وتوسيع آفاق التعاون مع أسواق النشر الدولية وفي مقدمتها السوق الهندية، وتعزيز التعاون الثقافي بين البلدين.
جاءت تلك المشاركة بعد أن سجلت الهند حضوراً بارزاً في الدورة الرابعة والأربعين من معرض الشارقة الدولي للكتاب في الفترة من 5-16 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي من خلال مشاركة تعكس عمق حضارتها وغنى إرثها الثقافي وتعيد إبراز الروابط الأدبية والمعرفية التي لطالما جمعت الشرق الأقصى بالشرق الأدنى مؤكدةً دور الكتاب كجسر حضاري راسخ يقرّب بين الشعوب.
وسجلت دورة عام 2025 من المعرض أكبر تجمع للناشرين الهنود خارج الهند حيث، شارك بها عشرات دور النشر الهندية من مختلف ولايات شبه القارة بما تمثله من تنوع لغوي وثقافي يعكس ثراء التجربة الهندية وتعدد مدارسها الفكرية.

مهرجانات ثقافية
أيضا تأتي الزيارة بعد يومين من تنظيم النادي الاجتماعي الهندي بالفجيرة "مهرجان الهند الفجيرة 2026"، في إطار تعزيز العلاقات الثقافية الإماراتية الهندية.
تضمن المهرجان تقديم عروض ثقافية وفنية تجسد عمق التنوع الثقافي في الهند، وما يجمع البلدين من روابط ثقافية وإنسانية راسخة.
أيضا نظمت صفحة "الإمارات تحب الهند" 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي احتفالية كبرى بحديقة زعبيل في دبي ، بحضور نورة بنت محمد الكعبي، وزيرة الدولة الإماراتية، وعدد من المسؤولين والدبلوماسيين ونخبة من رجال الأعمال والشخصيات الاقتصادية البارزة من الجالية الهندية في الدولة.
واستقطبت الاحتفالية جمهور غفير من أبناء الجالية الهندية تجاوز 100 ألف شخص ليكون بذلك الحفل الأكبر من نوعه في دولة الإمارات.
ويعكس تنظيم الاحتفالية رسوخ وتميز العلاقات الثنائية المشتركة بين البلدين، على كافة المستويات، وروابط الصداقة التي تربط بين الشعبين، والتقدير الكبير الذي يحظى به أبناء الجالية الهندية في الدولة، من خلال مشاركتهم الاحتفاء بخصوصية موروثهم الثقافي والحضاري.
وقد أبرزت الفعاليات تجانس وتنوع مواهب المجتمع الهندي وأبنائه في دولة الإمارات، من خلال برنامج حافل جمع ما بين الموسيقى والتراث الشعبي، والأزياء، والحرف اليدوية، والمأكولات الشعبية، لتشكل مناسبة لتعزيز العلاقات الاجتماعية بين أفراده، عكست أواصر التعاون بين الشعبين الصديقين والعلاقات التاريخية الوثيقة والمتجذرة التي تربط بينهما.
وقالت نورة الكعبي خلال الاحتفالية إن دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية الهند ترتبطان ليس فقط بالجغرافيا، بل بروابط إنسانية وثقافية عميقة ما زالت تسهم في تشكيل مسيرة البلدين حتى اليوم.
وشهدت الاحتفالية تكريم عدد من الشخصيات الرائدة وأصحاب الإنجازات النوعية من أبناء الجالية الهندية الذين قدموا من خلال عطائهم على أرض الإمارات نموذجاً للتميز والنجاح في عدد من المجالات.
وترسخ دولة الإمارات عبر تنظيم هذه النوعية من الفعاليات الكبرى المحتفية بثقافات الشعوب وأبرز مناسباتها الوطنية والتاريخية والشعبية، أواصر التعاون والصداقة والعلاقات الإيجابية التي تربطها مع كافة دول العالم، على مختلف المستويات، لا سيما على الصعيد الشعبي، وبما يسهم في تعزيز قيم التسامح والتعايش بين أبناء مختلف الثقافات، ويعكس النجاح الكبير الذي حققته في توفير بيئة من التعايش والتجانس تتيح للجميع العيش بسلام وتناغم، مرسخة نموذجاً عالمياً يحتذى به في احترام التنوع والتعددية الثقافية.
ويشكل أبناء الجالية الهندية جزءاً متناغماً من نسيج مجتمع الإمارات المتجانس، كما ينعكس حجم الجالية الهندية بشكل إيجابي في تعميق الروابط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين البلدين، ونقلها إلى آفاق أوسع وأرحب.

تعاون أكاديمي
أيضا ضمن أبرز ثمار التعاون المشترك في المجال الأكاديمي، افتتح الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، في مدينة دبي الأكاديمية العالمية، التابعة لمجموعة "تيكوم"، سبتمبر/ إيلول 2025 الفرع الدولي الأول للمعهد الهندي للإدارة - أحمد آباد "IIMA"، ليصبح أول فرع خارج الهند للمعهد الرائد عالمياً.
يأتي تدشين فرع المعهد الهندي للإدارة في دبي ترجمةً للرؤية المشتركة لقيادة حكومتي الهند والإمارات، لمستقبل التنمية وأهمية الارتقاء بالتعليم العالي لتخريج أجيال قادرة على تحقيق المستهدفات التنموية المأمولة على أسس علمية متطورة، فيما تسهم هذه الخطوة في توسيع المعهد حضوره العالمي في مجال تعليم علوم الإدارة، بما يوفره من فرص تعليمية متميزة، علاوة على دور الفرع الجديد للمعهد في تعزيز التبادل الثقافي والتعاون الأكاديمي بين الجانبين.
وقبيل عام من هذا الافتتاح، شهد الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، سبتمبر/ أيلول 2024 الافتتاح الرسمي للمعهد الهندي للتكنولوجيا دلهي - أبوظبي، أول فرع خارج الهند في العالم للمؤسسة الهندية العريقة المتخصصة في مجال الأبحاث والتعليم العالي في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.
كما شهد إطلاق شراكات تعليمية استراتيجية بين المعهد الهندي للتكنولوجيا - دلهي وفرعه الجديد في أبوظبي ومجموعة رائدة من مؤسسات التعليم العالي في الإمارة، بما في ذلك جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، وجامعة السوربون أبوظبي، وجامعة زايد.

استدامة التعاون
وسعيا لاستدامة التعاون بين البلدين وتعظيم الفوائد والمكاسب، ترأس الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، والدكتور سوبرامانيام جايشانكار، وزير الشؤون الخارجية لجمهورية الهند، 15 ديسمبر/ كانون الأول الماضي أعمال الدورة السادسة عشرة للجنة المشتركة، والحوار الاستراتيجي في دورته الخامسة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية الهند، وذلك في العاصمة أبوظبي.
يأتي انعقاد هذه الدورة في مرحلة متقدمة من الشراكة بين البلدين، ليشكل محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية، ويعكس مستوى الارتقاء الذي بلغته، في ظل المشاركة الواسعة لكبار الوزراء والمسؤولين من الجانبين، وما تحمله من دلالات واضحة على عمق الالتزام السياسي المشترك بتعزيز الشراكة بين البلدين في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية.
وأكد الجانبان خلال الاجتماع على الدور المحوري للتعليم في دعم مسار التعاون الثنائي، حيث يعد إنشاء مركز غاندي–زايد للسلام والتسامح ودراسات الاستدامة خطوة مهمة لبناء قاعدة معرفية مستدامة ترسخ التفاهم الثقافي والتبادل الأكاديمي بين البلدين.
وفي هذا الإطار، استعرض الجانبان التقدم المحرز في المعهد الهندي للتكنولوجيا – دلهي (IITD) أبوظبي، مشيدين بما تحقق من إنجازات ملموسة خلال فترة زمنية وجيزة، ومؤكدين أن إنشاء وتشغيل مؤسسة أكاديمية مرموقة في أبوظبي يمثل إنجازاً نوعياً يعكس التزام البلدين بالتميز الأكاديمي.

المجلس الثقافي
جاء عقد هذا الاجتماع بعد نحو شهرين من استضافة وزارة الخارجية الإماراتية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي الاجتماع الثاني للجنة التوجيهية المشتركة للمجلس الثقافي الإماراتي–الهندي في أبوظبي، برئاسة نورة الكعبي، وزيرة دولة، وك. نانديني سينغلا، المدير العام للمجلس الهندي للعلاقات الثقافية، بمشاركة عدد من كبار المسؤولين من كلا البلدين.
ركزت المباحثات على تعزيز الشراكات الثنائية في المجالات الاستراتيجية الرئيسية، بما في ذلك السياحة والتعليم والرياضة، ضمن إطار أوسع للتبادل الثقافي.
كما بحث الجانبان مجالات تعاون إضافية، بما يشمل تبادل أفضل الممارسات في السياحة التراثية الثقافية والمجال التعليمي والتعليم العالي والتطوير المهني، مع تأكيد تعزيز الروابط بين الشعوب، لا سيما بين الشباب وفي قطاعي الضيافة والإبداع.
وخلال الجلسة، أشادت الكعبي بالعلاقة الاستراتيجية الوثيقة التي تجمع دولة الإمارات والهند، مؤكدة أن الروابط الثقافية والاجتماعية والتاريخية العميقة بين البلدين تشكل أساسًا متينًا للتعاون في مختلف المجالات.
يعد تشكيل تلك اللجنة خطوة محورية في تعزيز الشراكة الإماراتية–الهندية في المجال الثقافي، ويؤكد العزم المشترك على مواصلة تعزيز التبادل المثمر والتعاون تحت مظلة المجلس الثقافي الإماراتي–الهندي.

علاقات تاريخية
وتربط دولة الإمارات والهند علاقات تاريخية راسخة بدأت مع تأسيس الدولة عام 1971، فيما تم تدشين العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1972.
وزادت قوة العلاقات منذ الزيارة التاريخية التي قام بها المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى الهند عام 1975، والتقى خلالها مع الراحل فخر الدين علي أحمد- رئيس جمهورية الهند آنذاك، والراحلة أنديرا غاندي – رئيسة وزراء الهند آنذاك وشهدت الزيارة التوقيع على الاتفاقية الثقافية بين دولة الإمارات وجمهورية الهند، التي تعد الإطار الأساسي لتعزيز العلاقات الثقافية بين الشعبين الصديقين.
وشهدت العلاقات بين البلدين نقلة نوعية في الآونة الأخيرة، إذ أسهمت 12 زيارة متبادلة بين الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين إلى آفاق واعدة.
وتتويجا لتلك النقلة في العلاقات، تم تنظيم مجموعة ضخمة من الفعاليات والأنشطة الثقافية والفنية المشتركة، فيما شهد مارس/ آذار من العام 2019 تدشين متحف «زايد ـ غاندي» الرقمي في منارة السعديات بأبوظبي والذي أقيم تكريما لذكرى القائدين المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ومهاتما غاندي الزعيم الهندي الراحل.