لجنة توثيق العدوان.. الإمارات تواجه فوضى إيران بمنظومة قانونية (خاص)
بينما تتزايد اعتداءات إيران ومساعيها لتوظيف الفوضى والضبابية كأدوات نفوذ، اختارت دولة الإمارات نقل المواجهة إلى ميدان القانون الدولي والذاكرة الموثقة.
فبتشكيلها لجنة لتوثيق أعمال العدوان الإيراني والجرائم والأضرار الناجمة عنه، تسعى دولة الإمارات إلى إدارة ملف الاعتداءات عبر القانون والمؤسسات الدولية والأدلة لا عبر ردود الفعل الانفعالية.
هكذا قال عضو المجلس الوطني الاتحادي السابق ضرار الفلاسي في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، مشيرًا إلى أن دولة الإمارات تقدم نفسها كدولة تحتكم إلى قواعد الشرعية الدولية، وتتعامل مع الانتهاكات باعتبارها وقائع قابلة للإثبات والمساءلة أمام الأطر القانونية المختصة.
وكان الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، أصدر قرارًا بتشكيل اللجنة الوطنية لتوثيق أعمال العدوان والجرائم الدولية والأضرار الناجمة عنها، على أن تشكل برئاسة النائب العام لدولة الإمارات.
مسار قانوني منظم
وأوضح الفلاسي، أن رئاسة النائب العام للجنة تمنح العمل طابعاً قضائياً ومؤسسياً، وتؤكد أن الهدف ليس مجرد إصدار موقف سياسي، بل بناء مسار قانوني منظم يبدأ من جمع الأدلة وينتهي بإمكانية توظيفها في إجراءات وطنية أو دولية.
وتوجه دولة الإمارات من خلال اللجنة رسالتين متلازمتين؛ الرسالة السياسية مفادها أن أمن دولة الإمارات وسيادتها وسلامة الموجودين على أراضيها خطوط لا يمكن التعامل معها باعتبارها أحداثاً عابرة، بحسب الفلاسي الذي أشار إلى أن الرسالة الثانية وهي قانونية مفادها: أن أي اعتداء أو جريمة دولية ستُوثق وفق قواعد مهنية وفنية، بما يحفظ حق دولة الإمارات والضحايا في المطالبة بالمحاسبة والتعويض والإنصاف.
وأشار عضو المجلس الوطني الاتحادي السابق إلى أن اللجنة توجه -أيضاً- رسالة للمجتمع الدولي بأن دولة الإمارات تؤسس ملفاً يستند إلى أدلة ووثائق وتقارير فنية وطبية وهندسية وجنائية، وبذلك تضع الوقائع في إطار قانوني يمكن البناء عليه أمام الجهات المعنية، وخاصة وأن اللجنة ستعمل على تثبيت الوقائع، وتحديد طبيعتها وتوقيتها وملابساتها، وحصر الأضرار البشرية والمادية والاقتصادية، وجمع الأدلة وتحليلها وفق معايير معترف بها.
وأكد أن القرار لا يلغي البعد السياسي، لكنه يمنحه سنداً قانونياً؛ فكل موقف لاحق يمكن أن يستند إلى سجل وطني موثق، وإلى قاعدة بيانات مؤمنة، وإلى سلسلة حيازة قانونية تحفظ سلامة الأدلة من الطعن أو التشكيك.
هل تمهد اللجنة لتحرك إماراتي أوسع في المحافل الدولية؟
توقع عضو المجلس الوطني الاتحادي السابق، أن تقود اللجنة الإماراتية لتحرك أوسع في المحافل الدولية، لأن القرار نص صراحة على أن نتائج أعمال اللجنة تدعم الجهود القانونية للدولة على المستويين الوطني والدولي عبر إعداد ملف توثيقي متكامل يدعم إجراءات المساءلة.
«كما أن اللجنة مخولة بالتواصل مع المنظمات والهيئات الدولية المعنية عبر القنوات الرسمية، وهو ما يفتح المجال أمام توظيف نتائجها في أطر دبلوماسية وقانونية متعددة»، يضيف الفلاسي.
لكن الأهم أن هذا التحرك، وفق الرؤية الإماراتية، لا يقوم على التصعيد غير المنضبط، بل على منهجية قانونية دقيقة تحترم القنوات الرسمية والمعايير الفنية، بما يعزز مصداقية الدولة أمام الشركاء والمؤسسات الدولية، بحسب عضو المجلس الوطني الاتحادي السابق، الذي أكد أن توثيق الأدلة يعزز فرص المحاسبة لأنه يحول الوقائع من روايات عامة إلى مادة إثبات قابلة للفحص والتحقق.
وأوضح أنه «عندما تُجمع الوثائق والتقارير الفنية والهندسية والطبية والجنائية، وتُربط بزمن الحادث ومكانه وطبيعته ونتائجه، يصبح بالإمكان بناء صورة قانونية متماسكة حول المسؤولية والضرر والعلاقة السببية».
فمن منظور قانوني، لا تكفي خطورة الاعتداء وحدها لتحقيق المساءلة؛ بل يجب أن تكون الأدلة موثوقة، محفوظة، قابلة للتدقيق، ومقدمة ضمن ملف منظم، وهذا بالضبط ما تشير إليه مهمة اللجنة في بناء سجل وطني متكامل يستند إلى الأدلة الموثوقة، يتابع الفلاسي.
وأكد أن دولة الإمارات لا تكتفي بجمع الأدلة، بل تضمن قابليتها للقبول والاعتماد؛ فالدليل الضعيف في سلسلة حيازته قد يفقد قيمته القانونية، أما الدليل المحفوظ وفق إجراءات واضحة فيعزز فرص المساءلة ويحد من قدرة أي طرف على التشكيك في مصداقيته.
دولة مؤسسات وقانون
واعتبر تشكيل اللجنة يرسخ صورة الإمارات كدولة مؤسسات وقانون، لأنه يضع ملفاً حساساً يمس السيادة والأمن وحقوق الأفراد داخل إطار مؤسسي منظم، يضم جهات اتحادية ومحلية وأمنية وقضائية وفنية واقتصادية، وتترأسه سلطة قضائية ممثلة في النائب العام.
«هذا التكوين يعكس أن الدولة تتعامل مع الأزمات بمنطق التكامل بين مؤسساتها، لا بمنطق القرارات المنفردة أو المؤقتة»، بحسب عضو المجلس الوطني الاتحادي السابق، الذي أشار إلى أن إنشاء أمانة فنية وقاعدة بيانات مركزية مؤمنة -كذلك- يؤكد أن دولة الإمارات لا تنظر إلى التوثيق بوصفه عملاً إعلامياً، بل كمسار طويل الأمد لحفظ الحقوق، وإنتاج معرفة قانونية موثقة، وتثبيت الوقائع بوسائل تقنية وقضائية متقدمة.
وأشار إلى أن اللجنة ليست مجرد آلية داخلية للأرشفة، بل أداة لإعداد ملف قانوني يمكن الاستناد إليه عند الحاجة أمام الجهات الدولية المختصة.
فكيف يمكن أن يدعم القرار حماية حقوق الضحايا والمتضررين؟
يدعم القرار حقوق الضحايا والمتضررين من خلال توثيق الخسائر البشرية والإصابات والأضرار المادية والاقتصادية استناداً إلى بيانات وسجلات رسمية موثوقة، بحسب الفلاسي، الذي أشار إلى أن هذا التوثيق يضمن أن معاناة المتضررين لا تبقى في نطاق السرد العام، بل تتحول إلى حقوق مثبتة يمكن المطالبة بها وحمايتها.
كما أن حصر الضرر وتقييمه وفق منهجيات فنية يساعد في تحديد حجم الانتهاك وآثاره، ويمهد لأي مسارات لاحقة تتعلق بالإنصاف أو التعويض أو المساءلة، ومن ثم، فالقرار يربط بين حماية سيادة الدولة وحماية الإنسان المتضرر داخل إقليمها، سواء كان مواطناً أو مقيماً أو زائراً، يقول الفلاسي.
رسائل ردع
واعتبر التحرك الإماراتي القانوني رسالة ردع، كونه يبعث برسائل مفادها أن الاعتداءات لن تمر بلا توثيق ولا مساءلة محتملة، مشيرًا إلى أن الردع لا يتحقق فقط بالقدرة الدفاعية أو بالموقف السياسي، بل أيضاً بمعرفة الأطراف المعتدية أن أفعالها ستُسجل وتُحلل وتُحفظ في ملف قانوني قابل للاستخدام وطنياً ودولياً.
ومن هذا المنظور، تسعى دولة الإمارات إلى جعل كلفة الاعتداء أعلى قانونياً ودبلوماسياً، عبر تحويل كل واقعة إلى دليل وكل ضرر إلى عنصر في ملف مساءلة، بما يحد من الإفلات من المسؤولية ويعزز احترام قواعد القانون الدولي.
وأشار إلى أنه يمكن النظر إلى اللجنة باعتبارها بداية مرحلة أكثر تنظيماً ومأسسة في توثيق الجرائم والانتهاكات ذات البعد الإقليمي، فهي لا تقوم على التوثيق التقليدي فحسب، بل تجمع بين الخبرة القضائية، والفحص الفني، والتحليل الجنائي، وحفظ الأدلة الرقمية والمادية، والتواصل مع الهيئات الدولية عبر القنوات الرسمية.
ومن زاوية أوسع، قد تشكل هذه التجربة نموذجاً إقليمياً في كيفية تحويل الاعتداءات إلى ملفات قانونية متكاملة، خصوصاً عندما تُدار العملية وفق معايير دولية وتحت إشراف مؤسسي واضح.
انعكاسات إقليمية
وأكد عضو المجلس الوطني الاتحادي السابق، أن القرار يسهم في حماية الأمن والاستقرار الإقليمي لأنه يعزز مبدأ أن النزاعات والانتهاكات يجب أن تُعالج عبر القانون، والتوثيق، والمساءلة، لا عبر الفوضى أو ردود الفعل غير المحسوبة، مشيرا إلى أن وجود ملف موثق يتيح للدولة التحرك ضمن القنوات الرسمية، ويقوي موقفها في التواصل مع المنظمات والهيئات الدولية المعنية.
كما أن توثيق الوقائع بدقة يحد من تضارب الروايات، ويساعد على بناء فهم موضوعي للأحداث، ويمنح المجتمع الدولي أساساً أوضح للتعامل مع مصادر التهديد. وبهذا المعنى، يصبح التوثيق أداة لحماية الأمن الإقليمي، وليس مجرد إجراء لاحق للانتهاك.