القضاء على خط أزمة المخابرات الليبية.. تحذير من المساس بمؤسسات سيادية (خاص)
تعمقت أزمة رئاسة جهاز المخابرات العامة في ليبيا، بعدما أوصى النائب العام بعدم تنفيذ قرار المجلس الرئاسي بتعيين رئيس جديد للجهاز.
الخطوة أعادت الجدل حول حدود الصلاحيات القانونية، وأثارت تحذيرات من انعكاسات الصراع على استقرار إحدى أهم المؤسسات السيادية.
وأوصى النائب العام بالإبقاء على حسين العايب رئيسًا لجهاز المخابرات العامة حفاظًا على استقرار الجهاز وتجنيبه أي إشكالات قانونية، معتبرًا أن القرارات الصادرة عن المجلس الرئاسي بشأن الجهاز لم تستوفِ الإجراءات القانونية إذ صدرت دون إجماع إرادات جميع أعضاء المجلس، وهو ما يمثل خللًا إجرائيًا.
وتعود الأزمة إلى قرار أصدره رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بتعيين عبدالمجيد مليقطة رئيسًا لجهاز المخابرات العامة خلفًا لحسين العايب، وهو القرار الذي أثار اعتراضات داخل المجلس الرئاسي نفسه.
كما طعن فيه عضو المجلس موسى الكوني أمام القضاء الإداري، على أساس أنه صدر بصورة منفردة ودون استكمال الإجراءات القانونية اللازمة.
ويرى مراقبون أن القضية تجاوزت مجرد الخلاف حول تعيين رئيس جديد للجهاز لتتحول إلى اختبار لطبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية.
كما تعكس احتدام التنافس على المؤسسات السيادية، وسط تحذيرات من أن استمرار الأزمة قد ينعكس على جهود توحيد مؤسسات الدولة الليبية.
حدود الصلاحيات
وقال الخبير القانوني الليبي عبد الله الديباني في تصريحات خاصة لـ"العين الإخبارية" إن المجلس الرئاسي لا يملك سلطة منفردة لتعيين رئيس جهاز المخابرات، موضحًا أن القوانين المنظمة للجهاز والاتفاق السياسي يشترطان دورًا للسلطة التشريعية في اعتماد هذا المنصب ما يجعل أي قرار يصدر بصورة أحادية عرضة للطعن بعدم الاختصاص.
وأضاف أن موقف النائب العام يستند إلى أحكام صادرة عن دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف بنغازي قضت بوقف أو إلغاء قرارات رئاسية تجاوزت حدود الاختصاص، مشيرًا إلى أن النيابة العامة بصفتها حارسة للقانون ملزمة بالامتناع عن تنفيذ أي قرار سبق للقضاء أن أوقف نفاذه وإلا عُدّ ذلك مخالفة لحجية الأحكام القضائية.
واعتبر الديباني أن رفض تنفيذ القرار لا يمثل سابقة في العلاقة بين القضاء والسلطة التنفيذية، بل يجسد مبدأ الفصل بين السلطات وخضوع القرارات الإدارية للرقابة القضائية.
وأكد أن هذه الخطوة تعكس تمسك مؤسسة النيابة العامة باستقلالها وبدورها في حماية الشرعية القانونية وصون المؤسسات السيادية من التجاذبات السياسية.
ورجح الخبير القانوني ثلاثة سيناريوهات لإنهاء الخلاف، هي:
- تراجع المجلس الرئاسي عن القرار التزامًا بالحكم القضائي
- اللجوء إلى المحكمة العليا للفصل النهائي في حدود صلاحيات التعيين والإعفاء
- التوصل إلى تسوية سياسية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية عبر عرض المرشح على مجلس النواب لاعتماده وفق الأطر القانونية بما ينهي حالة الجدل حول قيادة جهاز المخابرات.
معركة نفوذ
من جانبه، قال الباحث الأكاديمي الليبي في الدراسات الاستراتيجية والسياسية محمد امطيريد، في تصريحات خاصة لـ"العين الإخبارية" إن منصب رئيس جهاز المخابرات يُعد من المناصب السيادية التي يفترض أن يكون تعيينها من اختصاص مجلس النواب.
وأشار إلى أن هذا الإجراء ينبغي أن يتم وفق مسار قانوني واضح بعيدًا عن الخطوات التي اتخذها المجلس الرئاسي.
وفسر امطيريد تحركات المجلس الرئاسي بأنها تدخل سياسي يهدف إلى خلط الأوراق.
وجاء، بحسب تقديره، كرد فعل على المبادرات الدولية التي همشت الأجسام السياسية القائمة، معتبرًا أن القرار يمثل تعديًا على اختصاصات ليست من صلاحيات المجلس الرئاسي، إذ إن مجلس النواب هو الجهة المخولة بإقرار التغييرات في المناصب السيادية وفي مقدمتها رئاسة جهاز المخابرات.
واعتبر الباحث أن اتخاذ هذا الإجراء في هذا التوقيت يعكس انتقال الصراع من المؤسسات الرقابية إلى المؤسسات الأمنية وعلى رأسها جهاز المخابرات وهو ما يمثل تطورًا لافتًا في المشهد السياسي الليبي، وينذر بخلق أزمة داخل مؤسسات الدولة فضلًا عن تعميق صراع النفوذ داخل جهاز يتمتع بميزانية مفتوحة وشبكات أمنية واسعة داخليًا وخارجيًا.
وأوضح امطيريد أنه كان من الضروري صدور موقف من النائب العام في ظل الدعوى القضائية التي رفعها عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني للطعن في قرار تغيير رئيس الجهاز، مشيرًا إلى أنه ينبغي أيضًا أن تكون هناك ردة فعل قانونية من جانب مجلس النواب.
ورأى أن مثل هذه الخلافات يجب التعامل معها بجدية بالغة، نظرًا لما قد تتركه من آثار على ذاكرة الدولة وأرشيفها وضباط ومنتسبي جهاز المخابرات، مؤكدًا ضرورة التوصل إلى حل يحسم الأزمة.
وأكد أن استمرارها يمثل خرقًا واضحًا للسيادة الليبية وللإجراءات القانونية والتشريعية بما يعزز حالة الانقسام السياسي والأمني.
وعن تأثير الأزمة على جهود توحيد المؤسسات الليبية، أوضح امطيريد أنها قد تترك أثرًا محدودًا، لكنه استبعد أن تؤدي إلى تعطيل المسارات الدولية الجارية.
وأكد أن تلك الإجراءات لن تتوقف بسبب ما وصفه بسلوك المجلس الرئاسي كما رأى أن أعضاء ومنتسبي جهاز المخابرات لن ينصاعوا لمثل هذه الصراعات وسيواصل الجهاز أداء مهامه وفق الأطر القانونية والمؤسسية.